الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠230
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
ربِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينَا قِيمًا مَلَةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 161 - 163)، ففي هذه الآيات بيان لحقيقة الإسلام الشرعي المعتد به في موازين الحق، وهو الذي يكون حجة لمن تمسك به يوم القيامة بين يدي تعالى، وتتحقق به نجاته من الهلكة، ويستحق به ألطاف الله تعالى ورعايته في الدنيا والآخرة، وفي المحيا والممات.
الله
وذلك بأن يسلم وجهه الله، وما الوجه هنا إلا حقيقته الروحية والجسمية والظاهرة والباطنة، بحيث يكون خالص العبودية لله تعالى، ومخلصا له عبادته، يتزاحم في قلبه الخوف والرجاء، يشفق على نفسه من عذابه تعالي كما يطمع أن ينقلب إلى فضله فيفوز برحمته، وفي هذا يقول شيخ المفسرين الطبري: «مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} [النساء: 125]، يقول: ممن استسلم وجهه الله فانقاد له بالطاعة، مصدقا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند ربه وَهُوَ مُحْسِنُ} [النساء: 125] يعني: وهو عامل بما أمره به ربه، محرم حرامه ومحلل حلاله» (1).
وقال الرازي: فاعلم أن دين الإسلام مبني على أمرين: الاعتقاد والعمل أما الاعتقاد فإليه الإشارة بقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ) وذلك لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع والوجه أحسن أعضاء الإنسان، فالإنسان إذا عرف بقلبه ربه وأقر بربوبيته وبعبودية نفسه فقد أسلم وجهه الله، وأما العمل فإليه الإشارة بقوله (وَهُوَ مُحْسِنُ) ويدخل فيه فعل الحسنات وترك السيئات، فتأمل في هذه اللفظة المختصرة واحتوائها على جميع المقاصد والأغراض، وأيضا فقوله أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) يفيد الحصر، معناه أنه أسلم نفسه الله وما أسلم لغير الله،
(1) الطبري: جامع البيان سورة النساء الآية (125)، مج (4) 401/ 5 - 402.