الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٧الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
247
الملأ الأعلى الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ويشعر بتنامي خوفه من الله ورجائه له كما يشعر باستحيائه أن يقدم على معصيته، مع أنه مغمور ببحار نعمه ومحاط من كل جانب بفيض، كرمه فيقوى في نفسه الوازع الذي يزعه أن يقدم على معصيته تعالى في أي شيء، فينفلت في صلاته طاهر النفس، سامي الروح، زكي الأخلاق، ينضح صلاحًا، ويتدفق برًا وإحسانا، لا يروق في نفسه زخرف الدنيا، وإن سبى رونقه ألباب الأغمار، فصاروا أسارى لفتنتها.
ولا يكاد يتأثر بمحيط الحياة الذي يزخر بالمغريات فيجتذبه إلى فتنتها الخلابة إلا ويقرع مسامعه نداء الله تعالى من جديد، الذي تنشق به حناجر المؤذنين داعيا له إلى الصلاة، والفلاح فيتجدد عهده مع الله مرة أخرى، ولا يجد الشيطان سبيلا إلى إغوائه، وترديته في المهالك، فما أعظم النعمة التي يحظى بها المصلون الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، الذين يسارعون إلى الخيرات، ويتوقون الموبقات، فيحافظون على الدين كما شرع، ويجعلون طاعة الله تعالى نصب أعينهم وملء فكرهم ووجدانهم، لا تملهم ولا يملونها، لأنهم خلقوا لها.
الركن الثالث: إيتاء الزكاة
كم للزكاة من أثر في تزكية النفس وإحياء الضمير، وإماتة الأضغان والأحقاد بين الناس واستلال السخائم من صدورهم، وتفجير مشاعر الحب والحنان والرأفة والرحمة فيما بينهم، حتى تغدو قلوبهم كقلب واحد، تتدفق بمشاعر متحدة، وتتأثر بعواطف منسجمة فلا يكون بين الناس إلا الوئام والألفة والود والشفقة فإنّ آثارها على صاحب المال المخرج لها، وعلى من
تعطى له فيأخذها آثار ليست لها حدود في الخير ولا غاية في الإحسان.