الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٤٨248
مصرع الإلحاد بيراهين الإيمان
فأما معطيها فحسبه من خيرها العظيم وأثرها الواسع العميق أن تكون وسيلته إلى التحرر من شهوة المال التي هي من أخطر الشهوات في الحياة، وأضرها على النفس وأسوؤها على المجتمع، فإنّ المال محبوب بالطبع آسر للنفس، مقيد لحركاتها في الخير، ناهيك ما قاله الله تعالى في مقام تقريع عباده وزجرهم عما هم فيه من الضلال والفساد وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمَّا [الفجر: 20]، وقال في وصف الإنسان: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات: 8]. هذا الحب إن أهمل وترك وشأنه كان له أثر في تعمية النفس عما فيه مصلحتها وعن كل خير، وإصمامها حتى لا تسمع صوت الحق ونداء الرشد، وإغلاظ حجابها حتى يحول بينها وبين كل ما يزكيها، فإنّ من شأن الإنسان يحب الاستكثار من المال، وسعه والاستئثار بخيراته، فلا يبالي في سبيل ذلك بأحوال البؤساء المحرومين من الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل والمرضى والمنكوبين، فلا يؤرقه أنينهم وزفراتهم، ولا يلتفت إلى أحوالهم وما تنم عنه من معاناتهم، ولا يهتم بجوعهم إن شبع ولا بعريهم إن اكتسى، ولا ببؤسهم إن تنعم، إذ لا يفكر إلا في نفسه، وكم تدفع شهوة المال إلى ما هو أخطر من ذلك وأنكى عندما تكون دافعًا قويًا إلى الإجرام، الذي يؤدي
أن
إلى قتل الأنفس وسفك الدماء، لأجل الاستئثار بما بيد أهلها من الأموال. ولا سبيل إلى التحرر من هذه الآثار السيئة التي لا تولد إلا الجرائم، ولا يعقبها إلا الحقد والحسد والقطيعة والشنآن، إلا أن يتعود ذو المال على بسط يده بالمعروف، واقتطاع نسبة من ماله لأجل مصلحة المحتاجين والمعوزين، ولأجل سد ثغرات المجتمع والرقي بأحواله مع الشعور بأنّ ما يدفعه إنما هو حق معلوم وفريضة محتومة، ليس له فيها خيار، إذ المال في الأصل هو مال الله تعالى، وقد آتاه إياه ليكون خليفة فيه بالعدل، كما قال تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَالِ اللَّهِ الَّذِي
اتنكُمْ} [النور: 33]، وقال: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7].