الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥١الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
251
کشف الله هذا الأثر الكبير الذي يخلفه الصيام في نفوس الصائمين، إذ قال: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فالصيام فريضة محتومة فرضها الله تعالى؛ لأجل ترسيخ روح التقوى في نفوس الصائمين، والارتقاء بأخلاقهم وضبط ما يصدر عنهم من الأقوال والأعمال وما ينتج عنهم من جميع الأحوال.
إذ الصيام مقاومة للشيطان وترويض للنفس على ضبط شهواتها، حتى تغدو أسيرة إرادتها، ولا تكون هي الأسرة لها، وفيه من التربية للضمير الإنساني ما لا يخفى على من راضه وجربه بإخلاص الله، وهذا لأن للشيطان وسائل من نفس الإنسان، يسعى دائما إلى أن يجرها بها إليه، فيتمكن من إغوائها لتصبح من حزبه الخاسرين وأهم هذه الوسائل وأخطرها على الإطلاق هي شهواتها التي إن قويت واستفحلت أصبحت موجهة للنفس لا تقف ولا ترتد إلى أن ترديها في دركات الشقاء والعياذ بالله.
ولكن إن ضيقت مسالكها وحوصرت بما يكبحها ذلّت وتطامنت وأسلست لصاحبها القياد، فيروضها في الخير بدلا من أن تَدُعه في الشر، والصيام بلا ريب أقوى مروض لها وكابح لطغيانها، فهو آسر لشهوة الطعام والشراب، وقضاء الوطر فيما بين الرجل والمرأة، إذ يظل الإنسان سحابة نهاره أسير هذه الطاعة المقدسة، تفطمه عما اعتاده من تناول الطعام والشراب متى شاء، وقضاء الوطر بينه وبين أهله كما يريد، وهذا مما يقوي إرادته ويعزز جانبها، لتغدو هي التي توجه هذه الشهوات بدلا من أن تتجه كما تملي عليها، فمنذ طلوع الفجر إلى إقبال الليل يمنع الصائم نفسه من أن يستجيب لأي رغبة من هذه الرغبات، فيتخلق بأخلاق الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، والذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فيغدو ملكي الطبع رو روحاني النزعة، لأن الطاقة الروحانية تكون هي الغالبة على الجسم، وما يطمح إليه.