مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥٣

الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس

253

تأنس إلى الطاعة وتستوحش من الذنوب، على أنّ أثر الصيام لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه إلى التخلق بأخلاق عالية في ضبط النفس، وتعويدها على الحلم، وكفّها عما جبلت عليه من حب التشفي والانتقام، والنزوع إلى مقاومة العدوان ومقابلة الإساءة بمثلها، إذ الصيام يحول بين الصائم وبين معاملة المسيء بمثل صنيعه، كما هو صريح قوله: «الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، مرتين.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنّ الصيام مدرسة في الأخلاق عالية لا تسامى فأي خلق أرفع من هذا الخلق الذي يجعل صاحبه يكبح جماح الطبع ويقهر نزعات النفس، حتى لا يدع لها مجالا لأن تتشفى ممن أزعجها وآذاها إنما حسب الصائم أن يقول عندما يتعرض لشيء من ذلك إني صائم، ليذكر نفسه بقدسية صيامه التي تتنافى مع إعطاء النفس رغباتها في التشفي والانتقام، ثم يُذَكِّرُ الطرف الآخر الذي صدر منه الظلم بأنّ ما أتاه مخالف لما يقتضيه صيامه إن كان هو أيضا من الصائمين، فعليه أن يتراجع ويحاسب النفس ويكبح نوازعها، هذا إن كان من المسلمين، وإن لم يكن من المسلمين كان هذا الجواب وحده كافيا لأن يوقظ ضميره، ويشد انتباهه إلى مزايا الإسلام الدين الحق، لعله يدفعه ذلك إلى دراسة هذا الدين، وما يطبع عليه أتباعه من الأخلاق الرفيعة، ويعودهم عليه من المعاملة الحسنة. وليت شعري؛ أي مدرسة في الأخلاق ترقى إلى هذا الشأو العالي، وتوجه النفس الإنسانية هذه الوجهة التي تحررها من أسر طباعها؟ إنّ هذه

(1) رواه من طريق أبي هريرة الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، باب (54) في فضل رمضان، (رقم: 330، ص 84، ومالك الموطأ، كتاب (18) الصيام، باب (22) جامع الصيام، (رقم: 703، ص 132)، وأحمد؛ مسند أحمد، رقم: 7484، 290/ 7)، والبخاري؛ صحيح البخاري، كتاب (30) الصوم، باب (2) فضل الصوم، رقم: 1894، ص 148).