الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٧الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
257
وكذلك عندما ذكر البدن أتبع ذكرها بقوله: وكذلك سَخَّرَهَا لَكُم لِتُكَبِّرُوا الله عَلَى مَا هَدَنكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37]، وفي هذا ما يدعو إلى أن يكون الحاج ليس عازبًا عن ذكر الله تعالى في حال مع استصحابه للذكر في جميع أحواله بعد حجه ليستديم بذلك تقوى الله تعالى في سريرته وعلانيته، وليتقوّى على حمل أمانة الله تعالى وأدائها على الوجه الذي يرضيه.
وإذا أدركت أن الحج كله عامر بالذكر زاخر بالتقوى، كان ذلك داعيا لك إلى الإمعان في أسرار مناسكه العظيمة، إذ كل منسك منها داع إلى التمسك بحبل التقوى واستدامة الذكر والتحرر من أسر الهوى والازدجار عن اتباع ما يمليه الشيطان من وساوس، مردية، والتيقظ في جميع الأحوال لأساليبه ووسائله، حتى يظل الإنسان على بصيرة من أمره وصلة بربه.
فإن الحاج بمجرد خروجه من داره يودع ما كان عليه من ركون إلى الدنيا واغترار بزخرفها واهتمام بحطامها، ويقبل إلى ربه مسلما له وجهه، ومخلصا له دينه، فلذلك يبدأ قبل شدّ رحله بمحاسبة نفسه والتخلص من تبعاته، والاستيثاق من وصيته فيودع أهله ويصل أرحامه، ويحسن إلى جيرانه، ويأتي إلى ما كان بينه وبينهم مما يكدر صفو علاقته بهم، ويستبدل بكل إساءة بدرت منه إحسانًا إلى من أساء إليه، وهو وداع من غلب على ظنه أنه لا يعود إليهم، هذا فيما بينه وبين الناس.
أما فيما بينه وبين ربه؛ فإنه يحرص على أن يجبر كل ما كان من تقصير في دينه، فيؤدي ما تعلق بذمته من الكفارات، ويقضي ما أن يكون مقصرًا فيه من العبادات ليقلب صفحته من الشر إلى الخير، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن الفجور إلى البر، ومن الغش إلى النصح، فإذا تسنّم مركوبه بدأ بذكر الله تعالى فكبره تكبيرًا، ثم أتى بدعاء السفر، ويستصحب الذكر في