الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩259
الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
وهذا يعني
أنه كان له وجود في العهود السابقة السحيقة، كيف وهو أول بيت وضع للناس بنص القرآن الكريم، والناس لم يكونوا في عهودهم المتقدمة ليخلوا من مكان مقدس تهفو إليه نفوسهم، وتطمئن إليه قلوبهم، وتسكن إليه ألبابهم.
فإنّ الله سبحانه رب الناس ورب كل شيء تقدس عن المكان والزمان، فقد كان قبل خلق الزمان والمكان وهو على ما عليه كان، جل عن الأينية، وتقدس عن الآنية والناس - كسائر الخلق - لا ينفكون عن الزمان والمكان فلذلك كانوا بحاجة إلى بيت يكون رمزًا لتوجههم إلى الله وتضرعهم إليه ودعائهم له، فكان من فضل الله عليهم أن هيأ لهم ما يلائم فطرهم، ويملأ هذا الفراغ النفسي الذي يشعرون به، وإذا كان البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس كما جاء النص القطعي به، فإنّه - بلا ريب - بدأ تأريخه بتاريخ الوجود البشري في الأرض، وإنما تجدد رفع قواعده على يدي إبراهيم وإسماعيل كما ذكره الله في كتابه. عل
علوم
ولا يكاد الحاج يبصر بعينيه شبح البيت المحرم، ويزحف إليه ليشرف بطوافه، به حتى تتجدد في نفسه ذكريات شتى فيشعر أنه بطوافه هذا ينخرط في سلك عباد الله تعالى الذين شرفوا بخلوص عبوديتهم وعبادتهم له، فكانوا من حزبه المفلحين وهنا تتفاعل في نفسه ذكريات شتى ومشاعر متعاقبة، فيتراءى له مظهر أولئك الذين حجوا هذا البيت وطافوا به من الأنبياء والأمم، ويتصور كيف كان إبراهيم وإسماعيل معنيين برفع قواعد هذا البيت من: أجل أن يكون رمزًا للتوحيد، ومركزا للموحدين، ومتجها للمؤمنين، وملتقى لهم عندما يفدون إليه من أصقاع الأرض، وكيف كانت ألسنتهما تعج بالدعاء الخالص إلى الله تعالى: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ