الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٧٧الباب الأول: في تعزيز الإيمان بالغيب وبيان ضرورته في حياة الناس
277
أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أَوَلَيْكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 15 - 16].
ومن
سعة الإسلام وسعة رعايته لهذا الحق لم يحرم منه حتى المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى، فإنّ شرك الوالدين لا يحرمهما من حق بر ولدهما بهما، وحسن معاملته لهما، مع التمسك بدين الله تعالى الحق، وعدم التفريط في شيء منه ولو دعياه إلى خلافه، فإنّ طاعة الله تعالى مقدمة على طاعتهما كما نصت عليه آية لقمان.
وبعد الوالدين تتوالى حقوق ذوي القربى في مقدمتها حقوق الأولاد، الذين هم قرة العين وثمرة الفؤاد ومسرة القلب وزينة الحياة، فعلى الوالدين كليهما أن يبرا بأولادهما ليبروا بهما، وأول هذا البر تربيتهم على الإيمان بالله واتقائه وخوفه تعالى ورجائه وإيثار مرضاته على كل شيء، وإخلاص العبادة والعبودية له، وهو مما يندرج في قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَيْكَهُ غِلاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]، فإنّ على الإنسان أن يقي نفسه وأهله سخط الله تعالى وعذابه وأولاده في مقدمة، أهليه كيف؛ وهم بضعة منه، وحياتهم امتداد لحياته.
ومما ذكره الله مما يتصف به عباد الرحمن الذين وعدهم حسن جزائه وكرم مثوبته ما جاء في قوله: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّتِنَا قُرَّةَ
أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، وحكى الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) [إبراهيم: 40]،