الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠٦306
2.
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
لتأسيس فكره، كما يقدم الصياد لصيده ما يدفعه إلى الوقوع في شباكه، على أنّ الرجل عاش كما عاش غيره من اليهود في الغرب منبوذا محروما من كل ما يتمتع به البشر من الحقوق، فأورثه ذلك حقدًا دفينا على الإنسانية، وكراهية متأصلة للحياة بأسرها، هذا بجانب ما يطغى على النفسية اليهودية من الحسد والكراهية لكل من لم يكن من جنسهم.
ولا يخفى أنّ النظام الرأسمالي القاسي الذي كانت له قبضة حديدية ما كان يرق لضعف ضعيف، ولا يلتفت إلى حاجة محتاج، فكل أحد بمقتضاه يسعى إلى توفير المصالح المادية لنفسه ولا يعرج على من سواه، وقد عاش ماركس في هذه الظروف القاسية والأجواء المكفهرة، كما تصور ذلك قرينته - جيني - فيما كتبته لأحد أصدقائها واصفة مأساتها هي وزوجها وأولادها، فقد جاء فيه: ائذن لي أن أصف لك يوما من أيام هذه الحياة، وسترى أنّ غيرنا لم يقاس ما قاسينا، فأنا مريضة سقيمة، ومع أن ما بظهري وثديي من أوجاع وآلام ممضة؛ فإني مضطرة على أن أرضع طفلي الرابع الحديث الولادة من ثديي لأنني لا أستطيع أن أدفع أجر مرضعة، ولكن طفلي كان يرضع الحزن والألم والسقم فيتلوى من الوجع ليل نهار، ومنذ أن ولد لم ينم إلا ساعتين أو ثلاثاً في اليوم كله، ومع كل هذا الفقر والحاجة دخلت علينا صاحبة المنزل وطلبت ما تجمع لها من أجرة ونقود اقترضناها منها، والإيجار والقرض خمسة جنيهات، ولما كنا عاجزين عن الدفع، وقد أحضرت سمسارين استوليا على كل ما نملك من أثاث وفراش وملابس، حتى مهد الطفل استوليا عليه وخرجنا إلى الشارع وكان المطر ينهمر بغزارة والبرد قارس لا يرحم، وبذل زوجي كل ما بوسعه من جهد، فلم نجد من يقبل
إضافتنا أو إيواءنا».
(1) المرجع السابق، ص 59.