الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣١٦316
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
المقدسة معلومات بشرية ومسلمات عصرية عن التاريخ والجغرافية والعلوم الطبيعية، ربما كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر، وكانت حقائق راهنة لا يشك فيها رجال ذلك العصر، ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم الإنساني، وإذا كان ذلك في عصر من العصور غاية ما وصل إليه علم البشر فإنه لا يؤمن عليه التحول والتعارض؛ فإنّ العلم الإنساني متدرج مترق، فمن بنى عليه دينه فقد بنى قصرًا على كثيب مهيل من الرمل. ولعلهم فعلوا ذلك بنية حسنة ولكنه كان أكبر جناية على أنفسهم وعلى الدين، فإنّ ذلك كان سببًا للكفاح المشئوم بين الدين والعقل والعلم الذي انهزم فيه ذلك الدين المختلط بعلم البشر الذي فيه الحق والباطل والخالص والزائف - هزيمة منكرة، وسقط رجال الدين سقوطا لم ينهضوا بعده، وشر من ذلك كله وأشأم أن أوربا أصبحت لا دينية.
ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة، بل قدسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس وذكره بعض شراح التوراة والإنجيل ومفسريها من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية وصبغوها صبغة دينية وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها ونبذ كل ما يعارضها وألفوا في ذلك كتبًا، وتأليف وسموا هذه الجغرافية التي ما أنزل سلطان الجغرافية المسيحية Christian Topography) وعضوا
الله بها من
عليها بالنواجذ وكفروا كل من لم يدن بها.
هذا؛ وقد حميت نار المعركة بين الجانبين والتهب وطيسها، فأتى على كثير من النفوس المتحررة من مفاهيم الدين الخاطئة، كما ذلك العلامة يصور الندوي بقوله: «وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوربا، وحطم علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني فزيفوا هذه النظريات الجغرافية
(1) أبو الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص 138 - 139.