الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣١٧217
الباب الثاني: في الإلحاد
التي اشتملت عليها هذه الكتب وانتقدوها في صرامة وصراحة، واعتذروا عن عدم اعتقادها والإيمان بها بالغيب وأعلنوا اكتشافاتهم العلمية واختباراتهم، فقامت قيامة الكنيسة، وقام رجالها المتصرفون بزمام الأمور في أوربا وكفروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الدين المسيحي، وأنشأوا محاكم التفتيش التي تعاقب - كما يقول البابا - أولئك الملحدين والزنادقة
الذين هم منتشرون في المدن وفي البيوت والأسراب والغابات والمغارات
أن
عدده
1
والحقول، فجدت واجتهدت وسهرت على عملها، واجتهدت أن لا تدع في العالم النصراني عرقا نابضا ضد الكنيسة، وانبثت عيونها في طول البلاد وعرضها، وأحصت على الناس الأنفاس، وناقشت عليهم الخواطر حتى يقول عالم نصراني: (لا) يمكن لرجل أن يكون مسيحيًا ويموت حتف أنفه، ويقدر من عاقبت هذه المحاكم يبلغ ثلثمائة ألف أحرق منهم اثنان وثلاثون ألفًا أحياء كان منهم العالم الطبيعي المعروف برونو، نقمت منه الكنيسة آراء من أشدها قوله بتعدد العوالم وحكمت عليه بالقتل، واقترحت بأن لا تراق قطرة من دمه، وكان ذلك يعني أن يحرق حيا، وكذلك كان. وهكذا عوقب العالم الطبيعي الشهير غاليليو (Galilio) بالقتل لأنه
كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس».
ولا يشك ذو بال أن مثل هذا التصرف قاد المتحررين إلى عدم الإيمان بالدين الذي يحرم عليهم العلم، ويحول بينهم وبين معطياته العظيمة ونتائجه الهائلة، ويحرم عليهم الاستمرار في البحث واستقصاء حقائق الكون الذي هم جزء منه ولم يجدوا أمامهم إلا أن يقفوا موقف العداء من كل دين، لأنهم
سحبوا الحكم الذي استنتجوه من موقف رجال الدين عندهم - ضد العلم الأديان، حتى وصل الأمر عندهم إلى أن يصوروا
والاكتشاف ـ على
جميع
(1) المرجع السابق، ص 139 - 140.