الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢٣الباب الثاني: في الإلحاد
323
وجهة نظر الملحد تحتاج إلى تسليم أكثر مما تحتاج إليه وجهة نظر المؤمن، وبعبارة أخرى نجد المؤمن يقيم إيمانه على البصيرة، أما الملحد فيقيم إلحاده على العمى.
وأنا مقتنع أنّ الإيمان يقوم على العقل وأنّ العقل يدعو إلى الإيمان، وإذا كان الإنسان يعجز أحيانًا عن مشاهدة الأدلة فقد يكون ذلك راجعا إلى عدم قدرته على أن يفتح عينيه.
و مجرد الاقتناع بوجود الله لا يجعل الإنسان مؤمنا، فبعض الناس يخشون من القيود التي يفرضها الاعتراف بوجود الله على حريتهم. وليس هذا الخوف قائمًا على غير أساس فإننا نشاهد أن كثيرًا من المذاهب المسيحية، تلك التي تعتبر مذاهب عظمي - تفرض نوعا من الدكتاتورية على العقول، ولا شك في أنّ هذه الدكتاتورية الفكرية إنما هي من صنع الإنسان، وليست بالأمر اللازم في الدين (1)
حتى
وهؤلاء الباحثون قد أدركوا بتجردهم في البحث بأن الله تعالى يستحيل أن يكون وجوده ماديًا فيفتقر إلى الزمان أو المكان ويتصف بالحدود، وإنما وجوده الله وجود قداسة وتعال عن كل ما يتصف به خلقه، وهذا الذي أثبته أندرو كونواي إيغي العالم الفيسيولوجي في مقاله وجود الله حقيقة مطلقة، إذ جاء فيه: والبرهان الذي يتطلبه الملحدون لإثبات وجود الله هو نفس البرهان الذي يطلب كما لو كان الله تعالى شبيها بالإنسان أو شيئًا ماديًا، أو حتى تمثالاً من التماثيل أو صنما من الأصنام، ولو كان الله مثل هذا الوجود المادي لما وجد هنالك مجال للشك في وجوده ولكن الله أراد ضمن ما أراد أن يختبر عقولنا حول الإيمان به، فترك لنا حرية الاختيار لكي يؤمن به من يؤمن
(1) المرجع السابق، منطق الإيمان، ص 87 - 88.