الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢٦226
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
خلقه على أنه العليم الذي لا نهاية لعلمه الحكيم الذي لا حدود لحكمته، القوي إلى أقصى حدود القوة.
ولما كان إدراك كنه الله من الأمور الغامضة علينا، فإننا لا نستطيع أن ندرك لماذا وجد الإنسان أو لماذا وجد هذا الكون الذي لا يعدو أن يكون الإنسان ذرة ضئيلة من ذراته التي لا يحصيها عقل أو وصف.
إن الأمر الذي نستطيع أن نثق به كل الثقة هو أنّ الإنسان وهذا الوجود من حوله لم ينشآ هكذا نشأة ذاتية من العدم المطلق بل إن لهما بداية، ولا بد لكل بداية من مبدئ، كما أننا نعرف أنّ هذا النظام الرائع المعقد الذي يسود هذا الكون يخضع لقوانين لم يخلقها الإنسان وأن معجزة الحياة في حد ذاتها لها بداية، كما أنّ وراءها توجيها وتدبيرًا خارج دائرة الإنسان. إنها بداية مقدسة وتوجيه مقدس وتدبير إلهي محكم)
وهذا يدل على أنّ هؤلاء الباحثين الذين هدتهم بحوثهم العلمية إلى معرفة الله تعالى واعتقاد وجوده، تحرروا أولا من الخلفيات العقدية التي أملتها الكتب المقدسة عندهم، وأطلقوا لعقولهم العنان، فأوصلتهم مداركها وما غذوها به من الحقائق العلمية التي اكتشفوها من دراساتهم المعمقة - إلى أنّ الله خالق هذا الوجود، لا يمكن أن يكون وجوده ماديًا فينحصر وجوده في حدود معينة، وأنه ليس جسمًا ولا ينقسم إلى أبعاض، وعليه فهو أجل من أن تدركه الأبصار أو غيرها من الحواس الظاهرة، وهو أعظم من أن تكيفه الأفكار أو يتصوره الخيال وإنما الإيمان به هو إيمان بواجب الوجود الأزلي الأبدي الذي لم يسبق وجوده عدم ولا يتسلط عليه الفناء، لأن كل موجود سواه إنما وجوده أثر لوجوده، فوجود ما سواه مما يدخل في حيز الممكنات، ووجوده تعالى واجب لذاته.
(1) المرجع السابق، الأدلة الطبيعية على وجود الله، ص 43 - 44.
لذاته،