الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٥الباب الثاني: في الإلحاد
/.
365
اصطفاهم واجتباهم؛ ليكونوا قدوة للخلق، وأمثلة حية للرشد والحق، فقد قال تعالى له: {يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: 26]، وقد شدّد الله تعالى الخطاب تجاه نبيه الله الله، وهو صفوته من جميع الخلق، ورحمته للعالمين محذرًا إياه عن الخروج قيد شعرة عن منهج الرشد وسبيل الحق، كما في قوله له: {وَلَوْلَا أَن تَبَّتْنَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذَا لَأَذَقْنَكَ ضِعْفَ الْحَيَوةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) [الإسراء: 74 ـ 75]، وقال في قضية الأسارى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِي أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُنْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 67 - 68]، وقال له: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأنعام: 15]، وإذا كان هذا الخطاب بشدته يوجه إلى من اصطفاه الله تعالى بين جميع خلقه، فكيف يكون حال أولئك الأنذال الذين هم أحقر عند الله من التراب الذي يداس بالأقدام، ويحشرهم يوم القيامة كأمثال الذر لينالوا جزاءهم عنده؟!.
وإذا كان مجرد الركون إلى الظالمين متوعدًا عليه بعذاب النار، كما نص عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ [هود: (113]، فكيف بالظلم نفسه يرفع عن الظالمين عقابه؟!.
وإن مما يؤسف له أن يظل هذا الفكر المنحرف يلقي بظلاله السوداء الحالكة على الفقه السياسي في هذه الأمة، وأن تصاغ وفقه السياسة الشرعية حتى غدت طاعة المتسلطين في الأرض هي طاعة الله تعالى، وهو مما أدى إلى أن تعطل شريعته سبحانه من أجل اتباع أهواء الظلمة