مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٠

40

مصرع الإلحاد بيراهين الإيمان

أن استجاب شيئًا ما لعاطفة الأبوة، وعرَّض برجائه من الله أن لا يلحق ابنه بالقوم الظالمين في الآخرة، كما قص الله ذلك في قوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَكِيمِينَ﴾ [هود: 45]، فلم يجامله الله تعالى في ذلك بل أتاه منه الجواب الحاسم الذي يقضي على كل أمل في نجاته، ويحذره أيما تحذير من أن يعود إلى مثل ذلك، ﴿قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِحٍ فَلَا تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعْظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [هود: 46]، فما كان منه إلا أن استكان لأمر الله ورضي بقضائه معلنا توبته مما بدر منه: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أكُن مِّنَ الْخَسِرِينَ} [هود: 47].

وفي تعليل قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) بقوله: {إِنَّهُ عَمَلُ غَيْرُ صَلِح، دليل قاطع على أن عمله غير الصالح كان هو المانع من إلحاقه بأهله، واستحقاقه منه دعاء بنجاته، وقد قرأ الكسائي: إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَلِح، ورويت هذه القراءة عن جماعة من الصحابة، وهي نص صريح في كون عمله غير الصالح سببًا لحرمانه من ألطاف الله تعالى، ومن تعاطف المؤمنين معه وعلى رأسهم أبوه النبي الكريم، وقراءة الجمهور ليست بمنأى عن هذه الدلالة، لإن الإخبار عنه بأنه عَمَل غير صالح إنما يفيد إغراقه في التلبس بالعمل غير الصالح، فكأنه أصبح عينه، كما في قول الخنساء:

تَرتَعُ ما رَتَعَت حَتَّى إِذَا ادَّكَرَت فَإِنَّما هِيَ إِقبال وَإِدبار

فجعلتها بنفسها إقبالًا وإدبارًا.

ولا يخفى على من مارس العربية وأساليب تعابيرها أن الجملة المصدرة بـ (إن) إن وليت جملة مشتملة على حكم تفيد تعليلها ذلك الحكم، وعلى ذلك شواهد من القرآن الكريم تصل إلى المئات أو تتجاوزها، وقد أوردت