الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١٠410
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
لو انتفت قدرته على شيء لكان موصوفًا بالعجز والمخلوق كل صفاته ـ من العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر وغيرها ـ هي محدودة بمحدودية مخلوقيته فعلمه بعد جهل وقدرته بعد عجز وما يعلمه أو يقدر عليه لا يساوي شيئًا بجانب ما يجهله وما يعجز عنه، وكذلك إرادته مقيدة إذ لا تنفذ في كل شيء إلا إن أراد الله تعالى نفاذها، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ الله} [التكوير (29]، وحياته تكون بعد موت ويتبعها الموت، ولو كان يحيا حياة أبدية في الدار الآخرة، إلا أن تلك الحياة إنما هي بإحياء الله تعالى له، بعكس حياته تعالى فإنّها حياة ذاتية لا يراه أو يسمعه فقدها، وما يتصور لا يساوي شيئًا بجانب ما لا يراه ولا يسمعه، فسمعه وبصره محدودان بمحدودية مخلوقيته
أما أفعاله؛ فهي أيضا قاصرة مقيدة بقيود ومحدودة بمحدودية قدرته القاصرة، وأفعال الله تعالى لا يقيدها قيد ولا تحد بأمر، ولا تعلق على معونة من غيره، ولم يكن للمخلوق أن يشارك الله تعالى في أفعاله، كخلق الخلق، وإفاضة مواهبه عليهم وإحيائهم وإماتتهم ومهما كان شيء من ذلك كما كان للمسيح إذ يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، وكذلك إحياؤه الموتى فإنّ ذلك كله إنما هو بأمر الله الله، وما كان المسيح في ذلك إلا آلة منفذة لإرادة الله ولذلك نيط هذا كله بإذنه سبحانه كما قال تعالى وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الدِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي} [المائدة: 110].
أما السعادة والشقاوة فما كان لأحد أي نصيب في الحكم على غيره بأحدهما، إذ لا شركة لأحد من خلق الله تعالى فيما يتعلق بالدار الآخرة، ولذلك وصف الله نفسه بقوله: و مَلِكِ يوم الدين} [الفاتحة: 4]، وقال تعالى: وَمَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَنكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسُ لِنَفْسٍ شَيْئًا