الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١٦416
مصرع الإلحاد بيراهين الإيمان
وقد وقع بنو إسرائيل في هذه الورطة، فهم عموا عن الحقيقة أو تعاموا عنها، فلم يكادوا يجتازون البحر بعد أن وجدوا فيه طريقا يبسا، وينقذهم الله من شر فرعون وآله ويهلك أولئك بما أنقذ به هؤلاء، حتى هفت قلوبهم إلى ما كان عليه الآخرون من التعلق بالأوثان، وتجاهل الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء، كما حكاه الله تعالى في قوله: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَاءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءِ لَهُمْ قَالُوا يَمُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْ وَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَنَطِلُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إلَهَا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾ [الأعراف: 138 - 140].
وكذلك ما كادوا يودعون موسى عندما غادرهم إلى ميقات ربه، حتى اتخذوا بأنفسهم وثنا صنعوه من حليهم وزعموا أنه إلههم وإله موسى، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلتِهِمْ عِجَلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اَتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَلِمِينَ﴾ [الأعراف: 148]، وقال سبحانه: {فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يمْلِكُ هُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا * وَلَقَدْ قَالَ هُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَومِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِى * قَالُوا لَن نَبَرَحَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) [طه: 88 - 91].
وقد شاع الإلحاد عند فلاسفة اليونان فلذلك قالوا بقدم العالم وهم وإن
كانوا يقولون بخلق الجزئيات في العالم، إلا أنهم يفسرون خلقها بأنه كان عفويًا، وأن الكائنات تكونت خلال سلسلة طويلة من عمليات المحاولة والخطأ، وهذا ما نسب إلى الفيلسوف اميدو قليس (Empedocle) الذي كان يسمى بأبي نظرية النشوء، ومثل ذلك ما أعلنه أرسطو (384 ق. م ـ 322 ق. م): أن الإنسان هو ذروة عملية ارتقاء طويلة ومستمرة»).
(1) الغاياتي منيرة علي مذهب النشوء والارتقاء في مواجهة الدين ص 8، مكتبة وهبة - مصر،
(بدون ط).