مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤١٧

الباب الثاني: في الإلحاد

417

وقد وجدت من يعزو إلى ابن مسكويه أنه كان يقول بمذهب النشوء والارتقاء، فقد قال الشيخ نديم الجسر - الذي كان مفتيًا لطرابلس ولبنان الشمالي - في كتابه قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن ما نصه: «ولابن مسكويه في وصف تسلسل المخلوقات ونموها وارتقائها رأي بديع يشير فيه إلى مذهب النشوء والارتقاء إشارة صريحة لم يزد عليها المتأخرون إلا في التفاصيل، حيث يقول: (إنّ) الموجودات مراتب وكلها سلسلة متصلة … وكل نوع من الموجودات يبدأ بالبساطة ثم لا يزال يترقى ويتعقد حتى يبلغ أفق النوع الذي يليه، فالنبات في أفق الجماد ثم يترقى حتى يبلغ أعلى درجة، فإذا زاد عليها قبل صورة الحيوان، وكذلك الحيوان يبدأ بسيطا ثم يترقى حتى يصل مرتبة قريبة من الإنسان، ثم يخلص ابن مسكويه من هذا إلى القول بأنّ الإنسان نفسه لا يزال يترقى ويزداد ذكاء، وصحة في التفكير، وجودة في الحكم، حتى يبلغ الأفق الأعلى الذي يتعرض به لإحدى منزلتين؛ إما أن يديم النظر في الموجودات ليتناول حقائقها، فتلوح له الأمور الإلهية، وإما أن تأتيه تلك الأمور من الله تعالى من غير سعي منه، وصاحب المنزلة الأولى هو الفيلسوف، وصاحب المنزلة الثانية هو النبي، الذي يتلقى فيضا من الله تعالى فإذا التقى من وصل من أسفل بالتفلسف ومن تلقى من أعلى بالفيض اتفق رأيهما، وصدق أحدهما الآخر بالضرورة لاتفاقهما في تلك الحقائق). وهو كلام باد تهافته لما سيأتي من أنّ الإنسان خلقه الله من أول الأمر إنسانًا، ليكون خليفة في الأرض مفضلا على ما فيها بما اختص به من ملكات وما أفيض عليه من مواهب ولا يمكن أن يكون الأنبياء والفلاسفة في مرتبة واحدة من الهداية فكم امتلأت الفلسفة بضلالات شتى، والنبوة لا تحوم حولها ضلالة، وسيأتي بيان ذلك مستقبلا إن شاء الله.

(1) الجسر؛ نديم بن حسين أفندي: قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن، ص 64، طبع في لبنان.