مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٢٣

الباب الثاني: في الإلحاد

423

في منتهى الارتياب وكان يتصور أنه من أخطر الناس في فرنسا، وقد أحرق كتابه هذا وكان هذا من أسباب انتشار شعبيته.

وقد ضمن ديدغو ما كتبه تنقيصًا لقدر الكنيسة بأسلوب عبقري، يتمكن بالتوائه أن ينفلت من المسئولية، وفيه تساؤل عن نشأة الإنسان، وعن طبيعة الأرض، كما احتوى على إشارات إلى أنّ المخلوقات جاءت من أشياء ليس لها شكل محدد، وأنها أصولها انقرضت تدريجيا، فالكائنات تتعاقب في أنواع متتالية مستمرة على مدى ملايين السنين وقد عرج من كلامه هذا إلى الحديث عن الألوهية، وقرر الاستغناء عنها بأحوال الطبيعة التي تطور المخلوقات من طور إلى آخر.

وهكذا أخذ الأمر ينفلت ويتسع الخرق على راقعه، فقد توالت الأصوات التي تعيب الدين وتشكك في ثبوته وصحته وتفسر الحياة والطبيعة تفسيرًا ماديًا لا يتفق مع ثوابت الإيمان، ورغم القسوة ـ التي قوبل بها هؤلاء الفلاسفة المتحررون من أمثال ديدغو الذي نكل به في السجن برهة من

الزمن - ازدادوا نشاطا وأخذوا يتكاثرون شيئًا فشيئًا ويمتد نفوذهم.

وقامت على أثر ذلك الثورة الفرنسية، وهزت كنائس الكاثوليك في أرجاء فرنسا هزا، وسيق كثير من القساوسة إلى السجن ونفي بعضهم وقتل آخرون، وأتت الثورة على سجن الباستيل الذي كانوا يعدونه شبحًا مخيفا أمام الأحرار، الذين يرومون التحرر من السلطة الدينية أو السياسية.

وتمخضت هذه الأحداث الفكرية والسياسية عن ظهور إرازموس داروين الذي كان طبيبًا، واتخذ من خبرته الطبية مركبًا له للوصول إلى أغراضه الفكرية في البحث عن أصل الحياة ونشأتها وألف كتابه زونوميا الذي أودعه أفكاره، واستغل الثورة الفرنسية لنشر هذا الكتاب المثير للجدل، وكان بفكره