الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٧٦476
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
وأنت تدري أنه يفرق بين تطور وتطور فالمخلوقات تنشأ متقلبة من طور إلى طور وفق حكمة الله تعالى ولكنها لا تخرج عن كون كل منها يتطور مترقيا إلى أن يصل إلى حده الأعلى الذي كتبه الله تعالى له، فالجنين من البشر يتدرج في مدارج التطور من نطفة إلى علقة إلى مضغة مخلقة وغير مخلقة، حتى يكتمل خلقه، وهناك تنفخ فيه الروح، فيكون خلقا آخر بسريان هذا السر الإلهي فيه ولكنه في هذا لا يخرج عن الجنس الإنساني إلى جنس آخر، ولا يكون في بداية أمره من جنس غير الجنس البشري، فهو منذ أن خلقه الله تعالى من طين ونفخ فيه من روحه صار بشرًا سويا، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت أن يكون التناسل في أعقاب الإنسان الأول بهذه الأطوار المذكورة، حتى يخرج من ضيق الرحم إلى فضاء الأرض، وهو بشر أودعت فيه جميع الخصائص البشرية.
ثم يأخذ بعد ذلك في النمو، نمو الجسم ونمو الحواس والمدارك شيئا فشيئًا، حتى يصل إلى الطور الأعلى في النمو، وهو بلوغ الأشد الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَكَ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَهُ﴾ [الأحقاف: 15]، وبعد هذا تبدأ مرحلة الانتكاس والرجوع إلى الضعف بعد القوة، كما قال تعالى: ﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ تُنَكِسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: 68]، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفِ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفِ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةَ﴾ [الروم: 54)، وقال أيضا: (وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا} [النحل: 70].
ولا ينكر أحد هذه الأطوار التي يمر بها الإنسان في مراحل تكوينه، ولا في مراحل نموه إلى حد استوائه، ولكنها تختلف تمام الاختلاف عما يتصوره التطوريون من تحول الإنسان من صنف من أصناف الحيوانات إلى أن يكون إنسانًا متميزا.