مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٩٤

494

مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان

فإنّه لا يخفى أنّ الخطاب بفرض عبادته موجّه إلى جميع الناس، سواء في ذلك العرب والعجم وكذلك ما اشتمل عليه الخطاب من الامتنان عليهم بأنه خلقهم وخلق الذين من قبلهم، وأنه جعل لهم الأرض فراشا والسماء بناء، وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم، فإنه لا يعقل أن يكون ذلك امتنانا على بعض الناس دون بعض وكذلك ما وليه من نهيهم يجعلوا له أندادًا، فهو خطاب للجميع، والكل متعبد به.

أن

وإذا أدركت هذا علمت أنّ ما في فاتحة سورة النساء هو أيضا خطاب للجميع، سواء من حيث أمرهم بالتقوى، أو الامتنان عليهم بأنه خلقهم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرًا ونساء، فلا يعقل أن يكون ذلك خاصا بطائفة من الناس دون غيرها، إذ الخطاب في الموضعين متحد، وما وليه من الامتنان فيهما تعليل للأمر يفيد تأكيده.

طائفة

وقد حذر الله تعالى الناس من التعالي بالأنساب والأحساب، وذكرهم بأنه خلقهم من ذكر وأنثى، عندما قال: {يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْتَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13]، وأنت تدري أنه لا يمكن أن يكون شيء من خطاب الآية مخصوصا به بعض الناس دون بعض فكلهم مأمورون أن يرعوا حق كل وأن منهم، يحترموهم ولا يتعالوا عليهم، فهم جميعا خلقوا شعوبًا وقبائل من أجل أن يتعارفوا لا من أجل أن يتخالفوا ويتخاصموا، وميزتهم جميعًا إنما هي تقوى الله، فلا يمتاز أحد بعنصر ولا بلون، وإذا كان الخطاب في جميع الآيات بـ (يا أيها الناس شاملا لجميع فئات البشر، فكيف يمكن أن يخرج شيء منه، فيقصر على طائفة من البشر دون غيرها، على أن القرآن الكريم هو هدى لهم جميعًا، فهو هدى للناس، وذكر للعالمين، والله المعبود هو ربهم جميعًا.