الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥١٦516
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
في التطور الطبيعي والإنساني: غدت الدارونية قسمة رئيسية من قسمات الفكر الأوربي الحديث .. وكان الناس ينظرون إليها في عصر المودودي على أنها حقيقة علمية لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفها. ولم تكن الأبحاث العلمية التي عارضتها قد بلغت ما بلغته الآن .. وخلاصة هذه النظرية عند داروين Darwin (1809 - 1882) هي: أن نشأة الحياة والأحياء وتطورهما محکومان بقانون تنازع البقاء وفي هذا التنازع قانون حاكم يقضي بأنّ البقاء للأصلح، والأصلح هو الأقوى .. فله
البقاء والفناء للضعيف؟! ..
وإذا كانت الهيجلية - في تفسير التاريخ - قد جعلت نسخ العصر الجديد لثوابت العصر القديم أمرًا مشروعًا وطبيعيا وقانونيًا بل وتنفيذا للحتمية .. فإنّ الدارونية تجعل نسخ القوى للضعيف، بإفنائه وإزاحته من الطريق هو القانون؟! ..
وقد لعبت هذه الفلسفة الدور الأعظم في تبرير عدوانية الرجل الأوربي على غيره وعدوانية حضارته على غيرها من الحضارات .. فالاستعمار الاستيطاني، الذي يبيد السكان الأصليين - كما في حالة الهنود الحمر - أو يهجرهم أو يقذف بهم في الصحاري والأحراش - كما حاول الفرنسيون في الجزائر، ويحاول البيض في جنوب أفريقيا، والصهيونية في فلسطين - تبرره الدارونية، لأنه تنازع على البقاء، الأقوى هو الأحق والأجدر بهذا البقاء! .. والاحتلال العسكري والسيطرة السياسية والنهب الاقتصادي والنسخ والمسخ والتشويه لمواريث الفكر في حضارات البلاد التي هيمن عليها الغرب، هو تنازع على البقاء بين قوة الغرب وضعف هذه البلاد .. ولذلك فإن تجربة شعوب هذه البلاد المستعمرة والتابعة من مقدرات بلادها. وهو نوع من الإجلاء عنها تبرره الفلسفة الدارونية الخاصة بتنازع البقاء. فالبقاء للأقوى،