مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٦٢٩

الباب الثاني: في الإلحاد

629

من هذا

وكيف كان إيذانهم بهذا الأمر؛ أنه بعد تسويته إنسانًا مستخلصا الطين، فلو كان الأمر كما زعموا أنه مرَّ بهذه الأطوار لكان الأحرى بذلك أن يأمرهم الله سبحانه بالسجود له بعد استخلاصه من أجناس الحيوانات التي تدرج في أطوارها، فإنّ هذا هو الأنسب في الخطاب، ولكن شيئًا من ذلك لم يكن، وإنما كان كما هو واضح في القرآن أنّ هذا إنما كان بعدما اكتمل خلقه من الطين، ونفخ فيه الله من روحه!!.

على أنّ التعبير بخلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون أو من سلالة من طين؛ يدل على أنّ الله تعالى خلق من أول الأمر بشرًا من هذا الصلصال أو هذا الطين، ولم يخلقه كائنا آخر كما زعموا أنه كان أولا بكتيريا ثم تحول إلى سمكة ثم تدرج في مدارج أطوار الحيوانات حتى تحول إنسانًا، إذ لو كان كذلك لما أخبر الله أنه خلق من الصلصال أو الطين إنسانًا، ولكان مقتضى ذلك أن يذكر أنه خلق من الصلصال أو من الطين جرثومة، ثم تدرجت في الأطوار حتى كانت سمكة، ثم حيوانا برمائيا، ثم حيوانا زاحفًا … وهكذا حتى آلت إلى إنسان ولما لم يكن الخبر هكذا دل على أن الله سبحانه خلق هذا الطين إنسانًا سويًا بكل خصائصه البشرية من أول وهلة، ولم يترق

من

إلى مرتبة الإنسانية بتدرجه في مراقي الأطوار الحيوانية حتى صار إنسانًا. ولعل أعظم برهان على قطع دابر هذه الفرية قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرُ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم: 20]، فإن (إذا) هنا هي الفجائية، وهي تدل على أنّ كونهم بشرًا كان غِب خلقهم من التراب، فإنّ ما يعقب (إذا) الفجائية لا يكون إلا مترتبا على ما سبقها كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَنهُمْ إِلَى الْبَرِ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65]، فإن شركهم لا يكون متخلفا عن تنجيتهم إلى البر، وكذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: 25]، وقوله: {فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ