الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٣٠630
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48]، وقوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45].
ولنسمع ما يقوله في تفسير الآية الكريمة الفخر الرازي، الذي نسب إليه المعجبون بنظرية التطور أنه سابق إليها، فقد قال ما نصه: «لما أمر الله تعالى بالتسبيح عن الأسواء وذكر أنّ الحمد له على خلق جميع الأشياء وبين قدرته على الإماتة والإحياء بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: 17 - 19] ذكر ما هو حجة ظاهرة وآية باهرة على ذلك، ومن جملتها خلق الإنسان من تراب وتقريره هو أنّ التراب أبعد الأشياء عن درجة الأحياء، وذلك من حيث كيفيته فإنّه بارد يابس والحياة بالحرارة والرطوبة، ومن حيث لونه فإنّه كدر والروح نير، ومن حيث فعله فإنه ثقيل والأرواح التي بها الحياة خفيفة، ومن حيث السكون فإنّه بعيد عن الحركة والحيوان يتحرك يمنة ويسرة وإلى خلف وإلى قدام وإلى فوق وإلى أسفل، وبالجملة فالتراب أبعد من قبول الحياة عن سائر الأجسام لأن العناصر أبعد من المركبات، لأن المركب بالتركيب أقرب درجة من الحيوان، والعناصر أبعدها التراب، لأن الماء فيه الصفاء والرطوبة والحركة، وكلها على طبع الأرواح، والنار أقرب لأنها كالحرارة الغريزية منضجة جامعة مفرقة ثم المركبات؛ وأول مراتبها المعدن فإنّه ممتزج وله مراتب أعلاها الذهب وهو قريب من أدنى مراتب النبات وهي مرتبة النبات الذي ينبت في الأرض ولا يبرز ولا يرتفع، ثم النباتات؛ وأعلى مراتبها وهي مرتبة الأشجار التي تقبل التعظيم، ويكون لثمرها حب يؤخذ منه مثل تلك الشجرة كالبيضة من الدجاجة والدجاجة من البيضة قريبة من أدنى مراتب الحيوانات وهي مرتبة الحشرات التي ليس لها دم سائل ولا هي إلى المنافع الجليلة وسائل كالنباتات، ثم الحيوان وأعلى مراتبها قريبة من مرتبة الإنسان فإنّ الأنعام ولا سيما الفرس تشبه العتال والحمال والساعي، ثم