الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٣١الباب الثاني: في الإلحاد
631
الإنسان وأعلى مراتب الإنسان قريبة من مرتبة الملائكة المسبحين الله الحامدين، له فالله الذي خلق من أبعد الأشياء عن مرتبة الأحياء حيا هو في أعلى المراتب لا يكون إلا منزها عن العجز والجهل ويكون له الحمد على إنعام الحياة، ويكون له كمال القدرة ونفوذ الإرادة فيجوز منه الإبداء والإعادة.
وفي الآية لطيفتان إحداهما قوله: (إذا) وهي للمفاجأة، يقال خرجت فإذا أسد بالباب وهو إشارة إلى أنّ الله تعالى خلقه من تراب بكن فكان لا أنه صار معدنا ثم نباتا ثم حيوانًا ثم إنسانًا وهذا إشارة إلى مسألة حكمية، وهي أنّ الله تعالى يخلق أولا إنسانًا فينبهه أنه حيوانا وناميا وغير ذلك يحيي لا أنه خلق أولا حيوانًا، ثم يجعله إنسانًا فخلق الأنواع هو المراد الأول، ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى، فالله تعالى جعل المرتبة الأخيرة في الشيء البعيد عنها غاية من غير انتقال من مرتبة إلى مرتبة من المراتب - التي ذكرناها …
11
اللطيفة الثانية: قوله: (بشر) إشارة إلى القوة المدركة لأن البشر بشر لا بحركته، فإنّ غيره من الحيوانات أيضا كذلك، وقوله: (تنتشرون) إلى القوة المحركة وكلاهما من التراب عجيب أما الإدراك فلكثافته وجموده، وأما الحركة فلثقله وخموده. وقوله: (تنتشرون) إشارة إلى أن العجيبة غير مختص بخلق الإنسان من التراب بل خلق الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب فضلا عن خلق البشر».
وكلامه هنا واضح في أنّ الإنسان بعد خلقه من التراب، ومروره بمراحل الخلق انتقل فجأة إلى الطبيعة الإنسانية، التي هي الغاية من هذا الخلق فخرج من هذا التراب بشر ينتشرون، ولم يكن ذلك بتطور من جنس إلى
(1) الرازي: مفاتيح الغيب، سورة الروم الآية (20)، مج (13) 108/ 25 - 109.