الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٣٢632
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
جنس آخر من أنواع الحيوان، وإنما كانت تلك مفاجأة بحسب ما أراد الله سبحانه، وقد تبين لك مما ذكره أنّ (إذا) في هذا الموضع لا تختلف دلالتها عن دلالة أخواتها في سائر الآيات من حيث مجيء ما بعدها على أثر ما قبلها. فإن اعترض معترض على ذلك بأن العطف هنا كان بـ (ثم) الدالة على المهلة، ويمكن أن يستوحى من ذلك بأنّ انتقالهم إلى جنس البشر جاء بعد مراحل من خلقهم من تراب وهي تلك التطورات من جنس إلى آخر كما تقتضيه النظرية التطورية.
فجوابه: أنّ دلالة (ثم) على المهلة لا يلزم منها أن تكون هذه المهلة مهلة زمنية، فهي تدل على المهلة الزمنية عندما تعطف المفردات بعضها على أما عندما يكون التعاطف بين جمل، فإنّها غالبا تكون للمهلة الرتبية
بعض،
والشواهد الدالة على ذلك كثيرة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: 11]، فإنّ النصوص القرآنية الأخرى دالة على أنّ أمره تعالى بالسجود لآدم كان سابقا على خلقه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِّي خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَاءِ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ﴾ [الحجر: 28 - 29]، ومثله قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِّي خَلِقُ بَشَرًا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ﴾ [ص: 71 - 72]، فإنّ كل ذلك يدل على أن أمره لهم بالسجود لهذا المخلوق من الطين كان سابقا على خلقه، لأن (إذا) من أدوات الشرط تدل على الاستقبال.
ومثل ذلك سائر الشواهد في القرآن كقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَنَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ثُمَّ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ﴾ [الأنعام: 153 ـ 154]، فإن إيتاء موسى الكتاب سابق على توصيتهم بما ذكر، ومثله قوله تعالى: {وَمَا أَدْرَنكَ مَا الْعَقَبَةُ