الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨28
جا
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
وأما دعوى دينيت أنه لا ينبغي أن يشارك الإيمان العقل كمصدر للمعرفة حتى في قضايا الغيب فهي ليست صادرة إلا من عمى بصيرته، وأنى للملحد أن تكون له بصيرة؟! وقد أجاد من قال:
وعمى البصائر من عمى
يتراءيا
الأبصار وقال أصدق القائلين: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]، فكيف يتصور أن يكون العقل ينفذ بنفسه إلى الغيب المغيب فيكتشف ما وراء ستاره الغليظ، فهب أن أحدًا قبل قرنين أو ثلاثة تحدث بين الناس بأنه سيأتي زمان يتيسر لكل أحد فيه أن يكلم غيره، ولو كان أحدهما في مشارق الأرض والآخر في مغاربها، بل يمكنهما أن كما لو كانا جالسين في مجلس واحد أو أنه سيتيسر للناس عبر الأثير أن يتحدث أحدهما من أي بقعة في الأرض، فيمكن لمن في الأرض جميعا أن يسمعوا صوته ويفقهوا حديثه، كأنه أمام كل واحد منهم في مجلس يجمعه به، ذلك أيضا يمكن أن يشاهدوه ويروا، حركاته ويسمعوا تردد أنفاسه كما لو ومع كانوا بين يديه أثرى من يسمعون حديثه في ذلك الزمن البعيد يمكنهم أن يصدقوه في ذلك أو أنهم جميعًا ستطبق كلمتهم بأنه مجنون يهذي، وأنه بحاجة إلى أن ينقل إلى مصحات الجنون؟!.
فهذه هي حدود العقل يظل في كل عصر محدودًا بحدود بيئته ومحيطه، وإذا كان ذلك في هذه الحياة نفسها؛ فكيف يتصور للعقل أن يفوق الإيمان في
إدراكه حقائق الغيب الذي هي في عالم يأتي بعد عالمنا هذا؟.
أما الإيمان فإنّه يستلهم معرفة ذلك من الوحي القطعي الذي ينزل به أمين السماء على أمين الأرض من عند الله تعالى الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما تخفيه الصدور، وما تنطوي عليه الضمائر ويحيط بكل ما في الدنيا والآخرة؛ لأن الدنيا والآخرة هما من صنعه، لولاه