الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٠70
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
أولا يجدر بالإنسان أن يقف طويلا أمام هذه الحقائق، ويستمد منها البصيرة والفهم والإدراك، حتى لا يضيع في متاهات هذه الحياة بين الأفكار الضالة، والمفاهيم الحائرة، ﴿قُتِلَ الْإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَرَهُ﴾ [عبس: 17 - 20].
هذه
وكم تجد من آيات الله المعجزات التي تصحب خلق الإنسان من الخلية الأولى، التي يتولد منها ذلك الكم الهائل من الخلايا المتنوعة في الجسم التي هي بدورها تحيا لتموت كما هو شأن الإنسان نفسه، فهي تتجدد باستمرار في جسم الإنسان ما خلا خلايا الدماغ التي هي مقر الذاكرة المختزنة لذكريات صاحبها، فإنّ هذه تبقى حية إلى أن يموت صاحبها ـ كما ذكرنا، وكم شدّ القرآن انتباه الناس لهذه المعجزات العظيمة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم: 45 - 46]، وقوله: أَيَحْسَبُ الإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةٌ مِن مَنِي يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى (القيامة: 36 - 140، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءِ مَهِينٍ﴾ [السجدة: (8]، وقوله: ﴿أَفَرَعَيْتُمُ مَا تُمْنُونَ * وَأَنتُمْ تَخلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ﴾ [الواقعة: 58 - 59]، وقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْتَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 2].
ناهيك من هذه الآيات الكبرى أنّ هذا الإنسان - الذي كرمه الله تكريما، وآتاه العقل والحكمة، واستخلفه في الأرض، ومكن له في الكون، بحيث سخر لمصلحته كل ما في أرجائه - هو في الأصل نقطة صغيرة من هذا الماء الدافق، المهين، إذ لا يكون خلقه من كل الماء - أي المني المتدفق في حال المباشرة الزوجية - وإنما يخلق من تلك النقطة الصغيرة من هذا الماء، وهي في دقتها وحقارتها لا تكاد تبصر حتى بأشعة المجهر، وقد عبر عنها القرآن تارة بالنطفة كما في قوله تعالى: {أَلَوْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَنِي يُمْنَى [القيامة: 37]، وتارة