الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٨٣الباب الثالث: في براهين الإيمان
83
غير ذلك، ولكنه عندما سئل كيف عرفت ربك؟ أجاب بكل عفوية وبساطة: إنّ البعرة تدل على البعير وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه
اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على الصانع الخبير؟!». فأين هذا العقل النير من هذه العقول المظلمة من قوم راضوا العلوم وسبروا العالم وجمعوا بين التحقيق العلمي والعمق الفلسفي، كيف لم ذلك كله شيئًا فارتكسوا في هذا الضلال المبين؟؟!.
يجدهم
أرأيتم هؤلاء الذين يجادلون بغير بصيرة، فينكرون ما هو أظهر البدهيات وأقواها برهانا من أمر الخلق، لو قيل لهم بأنّ مكتبة حافلة بملايين المجلدات تحتوي على شرح جميع ما في الخلايا وجزيئاتها وكل ما تنطلي عليه من هذه العجائب، بلغة يفهمها جميع الناس من غير أن يملي لسان بحرف مما اشتملت عليه أو يخط قلم أحد شيئًا من ذلك، أو يعتني ذهن بترتيب شيء هذه المعلومات، وإنما تولت الطبيعة وحدها إنشاء هذا التأليف الضخم
من
الهائل، وهي التي طبعت كلماته في، فى الطروس، ونسقت بين مفرداته وجمله، وفصلت أبوابه وفصوله، ووضعت تراجم لكل شيء من ذلك، أتراهم يصدقون هذا الهراء من القول، أم أنهم يتهمون قائله بالجنون البالغ، ويعزون قوله إلى الهذيان؟!.
في
ومثل ذلك لو قيل لهم بأنّ الطبيعة تولت تأليف كتب في فنون شتى، الفلسفة وعلوم الطبيعة والطب والهندسة، والفلك، وسائر أنواع العلوم، من غير أن يقوم أحد بشيء من ذلك، ومن غير أن يقع خطأ ولا في حرف واحد وأنها طبعت ذلك فيما لا يحصى عدده من المجلدات، أتراهم يصدقون هذه الدعوى؟!.
فلعمري؛ إنّ هذا - وإن كان من المستحيلات عقلا وعادة ـ هو أهون من أن تكون الطبيعة الميتة الجامدة هي التي اخترعت خلق الإنسان من
تلقاء