الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤٣الباب الثالث: في براهين الإيمان
/.
143
ولا يكاد يصل إلى فضاء الأرض، ويلامس مهادها ويستنشق هواءها حتى يجد المناخ الملائم والظروف المواتية، والرزق المدرار، بدءا مما يدره ثدي أمه من أطيب الغذاء وأنفعه وأنسبه لطبعه إلى ما يأتيه من بعد من ضروب الطيبات التي ينمو بها جسمه، ويقوى بها ضعفه وتتفتح به مداركه مع مروره بمراحل من الضعف لا يملك فيها أن يجر لنفسه، منفعة، ولا أن يدفع عنها ضررًا، بل لا يتصور فيها شيئًا مما يحيط به، وإنما عناية الله تعالى تصحبه في هذه الأوقات، أو يجدر به بعد هذا كله أن يجحد ربه الذي خلقه، وبسط
جميع
له من رزقه، مع أنه لا يستغني في أقل من لحظة عن أي شيء من عنايته الواسعة، ورعايته الغامرة، وآلائه المتواترة؟!. {قُتِلَ الْإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَبِيلَ يَتَرَهُ، ثُمَّ أَمَانَهُ، فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ، كَلَّا لَمَا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ: «فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبا * ثُمَّ شَفَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتَنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبَا
وَقَضَبَا وَزَيْتُونَا وَنَخَلَا * وَحَدَابِقَ غُلْبًا * وَفَكِهَةٌ وَأَيَّا مَتَعَا لَكُمْ وَلِأَنْعَمكُمْ} [عبس: 17 - 32]. فليت شعري؛ لو أمسك الله شيئًا من هذا الخير المدرار، من الذي كان يرسله إليه، فلو طبع الله هذا الجو الذي يحيط به على غير ما هو عليه، فلم يوجد فيه عنصر الأكسجين، كيف يمكنه العيش في الجو الخانق الضيق؟ وكيف يمكنه أن يردد أنفاسه ويطلقها؟ ولو أمسك الله قطر سمائه فأصبحت الأرض قفرًا يبابا، أي يد يمكنها أن تطلق ما أمسكه، وأن تبسط ما قبضه؟! قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30]. ولو جعل الله كل قطرة ماء سواء ما ينزل من السماء أو يتفجر من الأرض ملحا أجاجا، من الذي كان بإمكانه أن يجعله عذبًا فراتا؟!. ﴿أَفَرَءَ يْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * وَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْتَهُ أَجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: 68 - 70].
ولو أمسك الله نبات أرضه، وقبض خزائن رزقه كيف كان يتسنى لهذا الإنسان أن يعيش في هذه الحياة، (أَفَرَيْتُمُ مَا تَحْرُثُونَ. وَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.