الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤٥145
الباب الثالث: في براهين الإيمان
الغلب إلى قفار قاحلة، سواء كان ذلك بتصدع الأرض، وغور المياه إلى حيث يتعذر أن تمتد إليها أيدي البشر أو بقوة الحرارة إلى حد أن تبخر آخر قطرة ماء في سطح الأرض أو في أعماقها، ولكن الله حفظ للعباد أرزاقهم لأنه الكفيل بحفظها.
في
أولا تكفي هذه العبر لرد الملحدين عن إيغالهم في الضلال، وإغراقهم العناد ومكابرتهم الحس والعقل، وتكذيبهم نداء الفطرة الذي يجلجل من أعماق نفوسهم، وتتجاوب معه كل ذرة في الكون، سمائه وأرضه، ظاهره وباطنه، معلنة جميعًا أن الوجود كله ما هو إلا أثر لواجب الوجود لذاته، الذي لا يحد وجوده ببداية ولا نهاية، ﴿تَأَيُّهَا الإِنسَنُ مَا غَرَكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّنَكَ فَعَدَ لَكَ * فِي أَي صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَبَكَ﴾ [الانفطار: 6 - 8].
من
أولم تفكر أيها الإنسان في بداية نشأتك، وكيف بدأت من نطفة مهينة، وانتهت إلى بشر سوي؟ أوتي من الملكات ما يدهش جميع العقول، وهيئ له الأسباب المتفاعلة لأجل مصالحه ما لا تتصوره الألباب، فهل كان ذلك بقدرتك وعلمك وتقديرك؟ وكيف أمكنك في حال مواتك أن تحيا؟ وبأي قوة طورت نفسك حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، وأنت في أعماق الرحم وموحشات الظلمات، لا يسمع لك صوت إن استجرت فتجار، ولا تلحظك عين فتتبين على أي حالة أنت من السراء أو الضراء، ولا تمتد إليك يد فتنتشلك من أي ضياع؟ أفتصدق ما أوحاه إليك شيطانك، وما أزجاه إليك قرناء السوء دعاة الفساد والضلال؛ مما زينوه لعقلك التائه الشارد من أن هذا كله كان بفعل الطبيعة وأنه لا إله لك فتعبده، ولا معاد لك فتخشاه أولم تبق لك ذبالة تشع من نور عقل تهديك إلى رشدك وتبصرك بحال نفسك، وتسمعك صوت فطرتك، فتهتدي إلى مصلحتك، فتأنس بالحق بعدما
أو حشتك ضلالتك، وأنستك ربك الذي خلقك؟!.