الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥٠10.
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
الشدة
وتتفاعل بانتظام، إذ هي مصحوبة بمشاعر ظاهرة وباطنة، توحيها دوافع النطق، ويستلهم البيان من المركز العصبي دائرة التفكير ومصدر الإلهام، وهو الذي يوحي إلى آلات النطق العضوية أن تتفاعل بسرعة فائقة، وفي نظام رتيب، حتى تمر خلالها الأحرف منتظمة في كلماتها والكلمات منتظمة في جملها، بحسب المعاني التي تؤديها، وتكون بأصوات منخفضة تارة، ومرتفعة أخرى، بحسب رغبة المتكلم، وبأنغام مختلفة، وأحوال متباينة من واللين، والهمس والجهر، والامتداد والانقطاع، ولكل من ذلك أثر في تصوير المعاني التي يوحيها البيان، ويصورها في النفوس حسبما تتلقاه الأسماع. وفي هذه العملية تشترك الرئتان والشعب والقصبة الهوائية والحنجرة والحلق واللهاة واللسان والحنك والأسنان والشفتان فما أعقد النطق في حقيقته، وما أيسر أداءه عندما يحتاج الإنسان إليه، فلا يخطر بباله ما تمر به هذه العملية من مراحل وما يستوجبه أداؤها من تفاعل بين جهات شتى، وما يشترك فيها من آلات عضوية ومراكز فكرية وطاقات ذهنية، وترى الخطيب أو المحاور يتدفق بيانهما ـ بحسب رغبتهما من غير انقطاع ولا تعقد ـ بأداء يلذ للأسماع، ويؤنس النفوس، ويسوغ للأفكار، فمن أين جاء هذا البيان، وبأي وسيلة تيسر، للإنسان ومن أي مصدر، تلقاه ومن الذي علمه إياه؟؟!.
لا يشك عاقل أنّ ذلك كله من عند الله الله، وحسبك من هذا امتنانه تعالى على الإنسان بهذه النعمة نعمة البيان كما في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَمَ القُرْهَانَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ عَلَمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1 - 4]، فقد علم الله تعالى
حاجة الإنسان إلى البيان، لأنه كائن اجتماعي، ولا يمكن أن تقضى مآربه بمجرد إشارات أو أصوات عشوائية، فلذلك علمه البيان من بداية خلقه كما تؤذن به هذه الآيات، وهو نص صريح في قوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَكَةِ فَقَالَ أَنْبِتُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * قَالُوا سُبْحَنَكَ