الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥٢152
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
استفادة
التعليم فقد كان سببًا لتفضيل الإنسان على بقية أنواع جنسه بقوة النطق وإحداث الموضوعات اللغوية للتعبير عما في الضمير وكان ذلك أيضا سببًا لتفاضل أفراد الإنسان بعضهم على بعض بما ينشأ عن النطق من المجهول من المعلوم وهو مبدأ العلوم، فالإنسان لما خلق ناطقا معبرًا عما في ضميره فقد خلق مدركًا أي عالمًا وقد خلق معلمًا.
•
وهذا أصل نشأة العلوم والقوانين وتفاريعها لأنك إذا نظرت إلى المعارف كلها وجدتها وضع أسماء لمسميات وتعريف معاني تلك الأسماء وتحديدها لتسهيل إيصال ما يحصل في الذهن إلى ذهن الغير وكلا الأمرين قد حرمه بقية أنواع الحيوان فلذلك لم تتفاضل أفراده إلا تفاضلا ضعيفًا بحسن الصورة أو قوة المنفعة أو قلة العجمة به بقية الأجناس كالنبات والمعدن. وبهذا تعلم أنّ العبرة في تعليم الله تعالى آدم الأسماء حاصلة سواء كان الذي علمه إياه أسماء الموجودات يومئذ أو أسماء كل ما سيوجد، وسواء كان ذلك بلغة واحدة هي التي ابتدأ بها نطق البشر منذ ذلك التعليم أم كان بجميع اللغات التي ستنطق بها ذرياته من الأمم، وسواء كانت الأسماء أسماء الذوات فقط أو أسماء المعاني والصفات، وسواء كان المراد الأسماء الألفاظ من الدالة على المعاني أو كل دال على شيء لفظا كان أو غيره من خصائص الأشياء وصفاتها وأفعالها» (1).
ومهما يكن من اختلاف علماء الأمة في هذا التعليم الذي كان لآدم أبي البشر من قبل الله تعالى، فإنه دليل قاطع على أنّ الإنسان منذ وجد على هذه الأرض، كان متميزًا بالبيان وقدرته على أدائه، وملكته في فهمه عندما يأتيه من غيره، فهو من بداية عهده بالحياة كائن ناطق لم يكن بحاجة في وقت من الأوقات إلى استخدام وسيلة أخرى للتعبير أو تبادل المصالح المشتركة مع بني جنسه.
(1) ابن عاشور التحرير والتنوير سورة البقرة الآية 31)، 396/ 1.