الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٥٩الباب الثالث: في براهين الإيمان
159
أسبابها ومسبباتها، ولو شرحت ملابساتها لغصت المكتبات الضخمة بمجلدات شرحها أولا يدل كل ذلك على الإتقان والإحكام، وسعة العلم والقدرة، ممن أوجد هذا النظام؟!.
أما الحركات الاختيارية الناشئة عن رغبة الإنسان فيها لقضاء مآربه وانطلاقه في مجالات الحياة، وسعيه الدؤب فيها فهي لا تسعها الأذهان ولو رحبت ولا الخيالات ولو اتسعت وكيف تتيسر للإنسان حسب إرادته التي يوحيها الجهاز العصبي إلى أي عضو من أعضاء الجسم، فتتفاعل الأعضاء متجاوبة متناسقة من غير تلكؤ ولا بطء.
وما أدراك ما للغذاء من أهمية في حياة الإنسان؛ فإنّه قوام الجسم، ومدد الحياة، وسبب النمو وفيه من لذة للجسم ما يفوق التصور، وقد هيأه الله الله للإنسان عندما كان جنينا في أعماق الرحم بحسب ما يلائمه في كل طور من أطواره، وعندما غادر الرحم إلى قراره في هذه الحياة وافاه رزقه بكل يسر تقدم ذكره، وهو يعبر مراحل ويجتاز حلقات من الأسباب، حتى يتهيأ له كما
شرحته فيما تقدم.
كما
غذاء،
وكما يأتيه مدرارًا من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، فإنه يسيغه ويستمرئه وتتوالى به ألطاف الله تعالى التي لا يملك من أسبابها أقل شيء منها، فكم في جسم الإنسان من آلات تشترك في تناول ما يرزقه من وقضمه وهضمه حتى يتحول إلى ما يلائم طبيعة الجسم، ويلبي مطالبه ويسد حاجة كل خلية من خلاياه التي تقدر بملايين الملايين، فما من واحدة منها إلا ويصل إليها منه ما يكون مددًا لحياتها، وهو يتواءم مع طبيعتها وحاجتها، وذلك كله من طيبات عناصر الغذاء، وما زاد عن حاجة الجسم يفرز عبر آلات متعددة إلى خارجه ليستبقي الجسم منافع الغذاء، ويبعد عنه مضاره