الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٦٣الباب الثالث: في براهين الإيمان
163
فانظر أيها الإنسان في هذه الآيات العجيبة وأمعن فيها فكرك، وأجهد فيها رويتك، أتراها كانت بترتيب الطبيعة التي لا تملك أن تقدم أو تؤخر، ولا تدري قبيلها من دبيرها فكيف يمكنها أن تدرك ضرورتك إلى النوم، فتهيئ له أسبابه وتعد له وسائله بهذا النظام الرتيب، وهذه الدقة المتناهية، وهذه الإحاطة الشاملة التي لا تدع ثغرة إلا سدتها؟!.
ما بالك أيها الإنسان تتعامى عما تدل عليه هذه الآيات من الإرادة النافذة والتدبير المحكم ممن يعلم السر وأخفى فتتنكر لفضله وتنكر وجوده رأسًا، أولا يكفيك هذا الإتقان في ربط الأسباب بعضها ببعض حتى يكون كل سبب أخذا بحجزة أخيه إلى أن تؤدي جميعًا غايتها؟؟!
على أنّ الله سبحانه لم يجعل نومك مطردّا في جميع أوقاتك، وإنما هو بقدر ما تقضي وطرك من الاسترخاء والراحة وتريح جسمك من عناء العمل ومشاقه، وقد هيأ الله تعالى من أوقاتك ما يتلاءم مع النوم لتنام، وما يتلاءم مع اليقظة فتستيقظ؛ لأجل الاضطلاع بمسئوليتك والقيام بتكاليف الحياة وضروراتها وحاجياتها، وقد يسر الله لك الليل الساجي ليكون أنسب لراحتك ونومك، وأدعى إلى سكونك واستقرارك، كما يسر لك النهار لتضرب فيه في أنحاء الأرض، وتكافح من أجل معاشك فانظر لو جعل الله تعالى وقتك كله ليلًا من أين كان يأتيك النهار، ولو جعله جميعًا نهارًا من أين كان يأتيك الليل، * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَن يَذَكَرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان: 62]، {قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَنَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يأتيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَعَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَنَّهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلِ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ. وَمِن رَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [القصص: 71 - 73]، فما بالك أيها الإنسان تنفي هذه النعم عن واهبها الله، الذي