الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٥الباب الثالث: في براهين الإيمان
185
هو السميع البصير العليم القدير الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؟! أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 17 - 18].
فكيف تجحد أيها الإنسان أن يكون الله هو الذي خلقك واختصك بهذه المواهب العظيمة وأسبغ عليك هذه الآلاء، ومنحك هذه المزايا، وكل شيء مما هو في كيانك أو فيما حولك من هذا العالم الفسيح، يناديك بلسان حاله محتجا عليك هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينِ} [لقمان: 11]؟.
أولا تخشى أيها الإنسان أن تخاصمك كل خلية من خلايا جسمك وكل ذراتها وما اشتملت عليه مسفهة لأحلامك مبددة لشبهاتك، فهي جميعًا بفطرتها تتفاعل مع نظام الكون، وتسبح مع الكون كله بحمد الله تعالى من حيث تدري ولا تدري، فكيف ترضى أن يكون هذا النشاز والافتراق بين ما طبعت عليه وما اخترته لنفسك، فإنّ هذا بطبيعة الحال هو منشأ اضطراب النفس وتبلبل البال فارباً بنفسك ولا ترض أن تكون أسوأ حالا من البهائم العجم التي تشارك الوجود بفطرتها في تسبيح الله تعالى وحمده والسجود لجلاله.
واعلم أنّ هذا الخصام بينك وبين كل جزيئة في جسمك لا ينحصر في دنياك هذه، بل تكون أشد خصاما لك يوم تبعث وتحاسب واقفا أمام الله الذي خلقك فأحسن خلقك، وبسط لك رزقك وغمرك بنواله، {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَنَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ) [فصلت: 19 - 23].