الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٦186
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
6 - آيات الله في الذاكرة وعجيب أسرارها:
كم هي آيات الله تعالى في خلق الإنسان سواء ما علمه الإنسان أو ما خفي عليه، وما علمه لا يساوي قطرة من عباب محيط لا ساحل له ولا قعر مما جهله، على أن ما وصل إليه الواصلون ممن بحثوا هذا الأمر وحاولوا أن يصلوا في اكتشافه إلى أبعد الحدود لستُ على مقدرة على الإتيان منه إلا بالشيء النزر اليسير، فلو أخذت في البحث ودراسة ما جاؤا به لتضاعف هذا السفر إلى أضعاف لستُ أحيط بها علمًا، ناهيك ما شرحوه من أجهزة الدماغ المتوسط وأثرها على التنبيهات العصبية القادمة من قشر المخ عندما تمر بها، وما يترتب على خلل هذه الأجهزة من كوارث لا يحيط بها إلا الله.
وكذلك الغدة الصنوبرية ووظيفتها في الحياة وما فيها من شواهد عظام على صنع الله تعالى وعظمته وإحاطته بكل شيء علما، ولا تزال البحوث العلمية في هذا يمتد رواقها ساعة إثر ساعة ولا تكاد لحظة تمر إلا ويكتشف من ذلك ما تضيق به مكتبات العلم، وبإمكان من أراد التوسع في هذا أن يطلب ذلك من مظانه في دراسات مختصة؛ ليجد ما يزيد إيمانه رسوخا، ويفيض على نفسه الطمأنينة، وينزل في قلبه السكينة، ويجلو عن مرآة نفسه صدأ ظلمات الشبهات التي يوحيها الشيطان وأولياؤه الملحدون، وحزبه الخاسرون، وقد أردت في هذه العجالة أن أنتقل بك ـ أيها القارئ الكريم - إلى أحد أسرار الله العظيمة التي استودعها الإنسان، وهو مما تتوقف عليه حياة الإنسان وتنتظم به علاقاته مع بني جنسه، وتصله بكل ما في الكون، ذلكم السر العظيم، هو ذاكرته التي تختزن معلوماته ليستعرضها متى أراد.
وإذا كان الناس يتباينون في الذكاء حتى يعد فرد منهم بأمة، أو تكون أمة أقل من فرد، فهم يتباينون كذلك في قوة الذاكرة وذلك من سنن الله تعالى في خلقه، التي جعلها في البشر أظهر منها في سائر الخلق غير أن من الناس من