مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٨٧

الباب الثالث: في براهين الإيمان

187

يرى أن جماهير الناس هم سواء أو متقاربون في قوة الذاكرة، ومقدار الذكاء، والقلة النادرة هي التي يمنحها الله العبقريات الفذة، فتغدوا نجوما لامعة في سماء العلم والحكمة بما منحها الله سبحانه من زيادة فائقة في قوة الذاكرة وسعة الفهم والإدراك، ومن الباحثين من يشكك حتى في هذا، بناء على أنّ الرقي الذهني إنما هو نتيجة الجهد المبذول واستعمال هذا الجهاز الذي لا يعرف الكلل أو الملل - وهو الدماغ الذي يتعب الجسم باستخدامه دونه - وبناء على هذا فقد تكونت مواهب العباقرة والفلاسفة وعظماء المبتكرين في العلوم باستغلال هذه القدرات الدفينة والطاقات الكامنة.

ولكني أرى أنّ التفاوت بين الناس في كل المواهب الفطرية والكسبية والحسية والمعنوية ليست محصورة في تفاوت أحوالهم وتباينها، بين الجد والكسل، وإنما أصل ذلك يرجع إلى تفاوتهم فيما طبعوا عليه وما آتاهم الله سبحانه من فيض آلائه ونعمه، وهو مما يندرج في قول الله تعالى: ﴿يَزِيدُ في الْخَلْقِ مَا يَشَاء﴾ [فاطر: (1)، وهذا مما يبدو بداهة لمن تأمل أحوال الناس، فكم يجد الإنسان من عبقري فذ لم يجتهد في طلب العلم إلا قليلا، وآخر يواصل ليله بنهاره في الطلب والبحث ولكنه لا يؤتى منه إلا نزرا يسيرًا.

كم قد رأينا من فتى مجتهد وهو بباب منه لما يسعد وآخر لم يقر إلا البعضا وهو يفض المشكلات فضا)

وهذه حظوظ مقسومة بين الناس كمثل حظوظهم في كسب المال، فكم من مجتهد يسعى إلى كسبه بوسائله فلا يؤتى منه إلا شيئًا يسيرًا، ويكون غيره

(1) نور الدين السالمي: جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، السنن والآداب، باب العلم، 280/ 2، علق عليه: أبو إسحاق أطفيش وإبراهيم العبري مكتبة الإمام السالمي - السيب ط 14: 1427 هـ / 2006 م.