الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٦197
مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان
لحل عويصها وإبراز حقيقتها كل هذه الأمور لا تزال سرًا من أسرار الألوهية في الخلق، ومظهرا من مظاهر الربوبية القاهرة وعظمتها.
تلك هي بعض عجائب الذاكرة التي تحفظ للإنسان معارفه، وتقيد ذكرياته، وتهيئه للتعامل مع بني جنسه، ومع المنظومة الكونية كلها، فبدون الذاكرة يغدو الإنسان كالجماد الميت بسبب فقدانه الوعي والإدراك، وعجزه عن بناء الحاضر على الماضي، وأخذ العبرة من ماضيه لإصلاح حاضره ومستقبله بتفادي الأخطاء واستدراك ما فاته من الصواب.
وأنت أيها الإنسان تدرك أنك لو لم يسخر الله لك هذه الذاكرة بخزائنها الواسعة التي تستوعب معلوماتك، وتعرفك برشدك وغيك، وتحفظ لك صوابك وخطأك لعشت تتخبط في ظلمات من الجهل والحيرة، وتهيم في متاهات لا تجد منها مخرجًا فيا ترى كيف يمكن أن تكون الطبيعة الجاهلة التي لا تدرك سرًا من أسرار الحياة، ولم تذق طعمها، ولم تحظ بما حَظِيتَ به من الحس والفهم، ولم تتمتع بما تتمتع به من الفكر والوجدان - هي! هيأت لك الذاكرة بما فيها من وسائل وأسباب لاختزان هذه المعلومات التي يفوت حصرها؟؟!.
فأنت أيها الإنسان - مع ما أوتيت من عقل وإدراك وفهم، وما تتمتع به من مزايا الحياة - أيمكنك أن تهب ذاكرة لمن حُرِمَها حتى يغدو مثلك في إدراكك ووعيك واستيعابك للمعارف وترتيبها في سجلات الذاكرة؟ فإذا كنت أنت ـ مع ما أكرمت به من أسباب الحياة ومزاياها، وما أوتيته من القوى العقلية، وأسباب الفهم - تعجز حتى عن تجديد فتوة الذاكرة في من ذاكرته وضعف استيعابها، فكيف تتصور مما هو فاقد للذاكرة ولجميع أسبابها من حياة وسمع وبصر وعقل وإدراك، وجميع الحواس الظاهرة
(1) ينظر؛ د. خالص جلبي الطب محراب الإيمان، 176/ 1 - 186.
شاخت