مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٩٣

الباب الثالث: في براهين الإيمان

293

والكواكب السيارة، والمجرات الواسعة، وكل ما نشاهده في الأرض - من بحار زاخرة، وأنهار مطردة ورياح متقلبة، وأمطار نازلة، وأجواء متعاقبة، بين حر وبرد وشدة ولطف - لا تعدو أن تكون خيالا.

وكذلك ما يقع بين الناس من سلم وحرب، ووفاق وشقاق، وحب وبغض، وطاعة وعصيان ورضى وكره، وما يعتريهم من علو وخفض، وأفراح وأحزان، ورغد وضيق ليس لشيء من ذلك حقيقة.

ومثل ذلك؛ ما يتحقق على أيديهم من الاكتشافات العلمية والانجازات العملية، وما ينشرونه من مؤلفات في فنون العلم المختلفة، وما يقومون به من دراسة وبحث في جميع المجالات، وما يكون في المحيط البشري من اختلاف الأحوال بين رقي وانحطاط، وتقدم وتأخر، وحضارة وبدائية، لا وجود لشيء من ذلك، وإنما هو مجرد وهم وخيال.

وليت شعري؛ هل يكون الخيال إلا من متخيل، أو الوهم إلا من واهم؟! وهل الخيال إلا نتيجة إجالة الإدراك الحسي بين المحسوسات لترتسم صورها في لوحة ذهن المتخيل؟! فإن كان كل ذلك خيالا فأين هذا الإدراك، وأين هذا الإحساس وأين المتخيل نفسه؟! وإنما هذه نتيجة شرود الذهن، وتبلبل البال وعدم استقرارهما ورسوهما على عين الحقيقة.

وإذا كان وجود هذا الكون حقيقة يفرضها الواقع، وإدراكها أمرا غريزيا ضروريا لا يحتاج إلى أي عناء أو بحث فإنّه لا بد من أن يقع في الذهن، هل هو أزلي أو أنه حادث؟ ولا ريب أنه مما ينساق إلى العقل السليم تلقائيا أنه لا يمكن أن يكون أزليّا، فإن كل ما فيه من الأمور المتعاقبة والأحداث المتباينة والمشاهد المختلفة، والأحوال المتناقضة، دليل وشاهد على أنه كان بعد أن لم يكن، وحسب الإنسان أن يتأمل أفراد الكائنات وما يطرأ عليها من فقدان الموجود، ووجود المعدوم، بل كل إنسان يدرك بنفسه أنه بذاته لم يكن