الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٥الباب الثالث: في براهين الإيمان
295
مجادلات عقيمة تعقب بها الإمام الغزالي، الذي أنكر على الفلاسفة دعواهم قدم العالم، وبدد شبههم بدوامغ الحجج والبراهين في كتابه تهافت الفلاسفة. وقد ساء هذا ابن رشد فتعقبه بكتابه تهافت التهافت، وقد أوسعت هذه القضية بحثًا في كتابي برهان الحق، وكذلك ادعى ابن تيمية في العديد من كتبه أنّ العالم قديم بالنوع، وأنّ الله تعالى منذ الأزل كان يخلق، وقد تعقبته أيضا في برهان الحق).
هذا؛ وقد درج على اعتقاد قدم العالم كثير من علماء الطبيعة في العصر الحديث، بل ساد هذا القول الفلسفة الغربية منذ أمد بعيد، نتيجة وراثتها للفلسفة اليونانية، فقد انطوت القرون قرنًا بعد قرن في العالم الغربي وجماهير الناس تعتقد قدم العالم، وإنْ وُجِدَ من بين هذا الركام الفلسفي من كان ينادي باستحالة أن يكون الكون أزليّا في عدم إمكان تسلسل الأحداث إلى ما لا نهاية، وإذا انتفى إمكان أزلية الزمان لزم القول بأن المكان مخلوق أيضا بعد عدم لتلازم الزمان والمكان وجودًا وعدمًا، وهذا ما نادى به جماعة الفلاسفة منذ زمن يوحنا فلوبونوس، الذي عاش في القرن السادس الميلادي، وكان فيلسوفا أرسطيًا ولاهوتيا نصرانيا (3).
من
ولكن كانت هذه الأصوات خافتة لم تتجاوز نطاق الهمس بين ضجيج صوت الإلحاد الهادر، فقد ظلت الثقافة العلمية السائدة في الغرب تكاد تجمع على أزلية العالم لأنهم تصوروا أنّ هذا هو منتهى الرأي الفلسفي والجهد العلمي، ولكن منذ ما يزيد على قرن من الزمن بدأت هنالك تلوح في الآفاق آراء عن ميلاد الكون في ميقات حدوثه المعلوم عند الله تعالى، وهذا الذي
(1) ينظر الخليلي برهان الحق، 158/ 2 - 290.
(2) ينظر؛ المرجع السابق، 291/ 2 - 307
(3) ينظر؛ د. سامي عامري براهين وجود الله، ص 375.