مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٠١

الباب الثالث: في براهين الإيمان

301

العلمية التي أدت إلى هذه الأدلة لم يكن يقصد من إجرائها إثبات وجود الخالق، فغاية العلوم هي البحث عن خبايا الطبيعة واستغلال قواها، وهي لا تدخل في البحث عن مشكلة النشأة الأولى؛ فهذه من المشكلات الفلسفية، والعلوم لا تهتم إلا بمعرفة كيف تؤدي الأشياء وظائفها، وهي لا تهتم بمعرفة من الذي جعلها تعمل أن تؤدي هذه الوظائف ولكن كل إنسان ـ حتى أولئك الذين يشتغلون بالعلوم الطبيعية - لديه ميل أو نزعة نحو العلوم الفلسفية، ومما يؤسف له أنّ المرموقين من العلماء ليسوا دائما من الفلاسفة الممتازين فقليل منهم هم الذين يفكرون في أمور النشأة الأولى، وقد يعتقد بعضهم أنّ هذا الكون هو خالق نفسه، على حين يرى البعض الآخر أن الاعتقاد في أزلية هذا الكون ليس أصعب من الاعتقاد في وجود إله أزلي.

ولكن القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية يثبت خطأ هذا الرأي الأخير، فالعلوم تثبت بكل وضوح أنّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليا، فهنالك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية، بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة، ومعنى ذلك أنّ الكون يتجه إلى درجة تتساوي فيها حرارة جميع الأجسام وينضب فيها معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هنالك عمليات كيموية أو طبيعية، ولن يكون هنالك أثر للحياة نفسها في هذا الكون، ولما كانت الحياة لا تزال قائمة ولا تزال العمليات الكيموية والطبيعية تسير في طريقها، فإننا نستطيع أن نستنتج أنّ هذا الكون لا يمكن أن يكون أزليا، وإلا لاستهلكت طاقته منذ زمن بعيد، وتوقف كل نشاط في الوجود، وهكذا توصلت العلوم - دون قصد - إلى أنّ لهذا الكون بداية.

(1) نخبة من العلماء الإمريكيين: الله يتجلى في عصر العلم، فلننظر إلى الحقائق دون ميل أو

تحيز، ص 32 - 33.