مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٣٢

332

مصرع الإلحاد ببراهين الإيمان

وبعد هذا الاستطراد في بيان سعة هذا الكون وعظمته، وما يشتمل عليه من الأجرام الهائلة حسبما توصل إليه الباحثون نعود إلى بيت القصيد، وهو دلالته على الله الله، فقد علمت أنّ كل الدلائل شاهدة على استحالة أن يكون هذا الكون أزليا، كما أنها شاهدة على استحالة أنه وجد تلقائيًا من غير أن تتدخل قدرة أحد في خلقه وتدبيره، فكل ذرة في هذا الكون الواسع فيها من آيات الله تعالى ما لو شرح لملأ مكتبات واسعة، فما بالك بما زاد على هذه الذرة من العناصر والمركبات، بل ما بالك بهذا العالم الواسع الأرجاء المترامي الأطراف، هل يمكن بحال أن يكون أوجد نفسه بنفسه؛ فأخرج ذراته الهائلة وعناصرها ومركباتها هذه الأجرام المدهشة التي تكونت منها من العدم؟! وكيف يتصور يكون للمعدوم تأثير حتى يقوى على إخراج نفسه من العدم إلى الوجود.

وجميع

أن

على أنّ الذرة وحدها تحير الألباب وتدهش العقول، في ترتيبها المحير، وطبيعتها المعجبة، وإذا كانت الذرة وحدها فيها من آيات الله تعالى ما يذهب بكل لب، ويحير كل عقل، فما بالك بما زاد عليها؟ بل ما بالك بهذا الكون الواسع الذي يعد جميعًا وحدة متكاملة في تناسق مكوناته وانتظام محتوياته وتعادل أرجائه، وتجاوب بعضه مع بعض، بحيث لا يوجد بينه مع ترامي أنحائه السحيقة أي نشاز أو اضطراب، فهو جميعًا بمثابة الجسم الواحد في وحدة أجزائه وانتظامها ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوتِ﴾ [الملك: 3]، فهل يمكن أن يصدق ذو عقل أنّ وجوده كان عشوائيا من غير أن يحكم إعداده

ويتقن تصميمه ممن وسع كل شيء علما، وأحاطت قدرته بكل شيء؟!. وإذا كان كل أحد من الناس لو قيل له بأن غرفة ضيقة وجدت تلقائيا من غير أن يصممها أحد ومن غير أن يتولى أحد تنفيذ تصميمها بجمع مواد بنائها وتركيبها لبح صوته بما يصدر عنه من استنكار لذلك وتكذيب لقائله وتسفيه لأحلامه وتضليل لتصوره وفكره، فكيف مع ذلك يصدق أن يكون هذا الكون