الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٣٣الباب الثالث: في براهين الإيمان
333
الهائل بمجراته العظمى وأجرامه الكبرى تكون تلقائيا مع عدم وجود حتى المادة الذي تركب منها من قبل؟! أولا يكون من يزعم ذلك من الناس هو أولى بالتسفيه والتضليل واستنكار مقالته وتكذيبها.
وإذا كان الكون بسعته وعظمته آية عظمى لا يمكن أن تتصورها الألباب أو تتخيلها الأوهام لو لم يكن حقيقة واقعة فإنه من حيث نظامه المدهش ليس بأقل عجبًا، فإنّ إعداده بهذه الكيفية التي تضمن له السلامة والانسجام والاستمرار إلى انتهاء أجله؛ هو أيضا مما يستدعي الوقوف معه طويلا لإمعان النظر في حكمة الله تعالى البالغة وعلمه المحيط بكل شيء، ولطفه الذي لا يدرك كنهه حتى لا يملك من تأمل ذلك إلا أن ينسجم مع أولي الألباب القائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ﴾ [آل عمران: 191].
وإذا كان خلق هذا الكون عجبًا كله يشهد بعظمة خالقه؛ فإن آياته في تصريفه وتدبيره لا تقل عن خلقه في الدلالة على عظمة الخالق العظيم المصرف لهذا الوجود كله، فقد وسع هذا الكون كله حكمة وعلما وقدرة ولطفا في تصريفه وتدبيره، يتجلى ذلك في انتظام جميع أجزاء الكون في حركاتها وتناسقها، فهل تستسيغ نهية أحد أن يكون الكون هو الذي يصرف نفسه بنفسه؟ لو لم يكن مصرفًا من قبل خالقه، ناهيك أن هذه الأجرام الفلكية كثرتها الكاثرة التي تخرج عن أرقام الحساب لا يند منها شيء فيخرج عن موضعه، أو يتعدى خط سيره المقدر له في فلكه، أو يتجاوز أي حد من حدوده، بل هو منضبط أشد الانضباط، ولذلك بقي الكون في سلامة من تصادم الأجرام الفلكية، ولو وقع تصادم بين جرمين منها لوقعت كارثة تفوق جميع الكوارث في آثارها الناجمة عن هذا الصدام.
ونحن نرى في عالم البشر أن أناسًا أولي عقول وروية يقودون المركبات بعد تدرب ومهارة في قيادتها، ومع ذلك تتصادم مركباتهم التي يقودونها