الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٩99
من الإلحاد الذي يدافع عنه أولياؤه ويحرصون على أن لا يخدش بشيء، وأن لا تثار حوله زوبعة تزعجه.
وأنا أتساءل هل هؤلاء الذين يملأون الدنيا ضجيجًا ـ بسبب عقوبة طفيفة عوقب بها أحد الملحدين من أجل تطاوله على الله تعالى بالقول البدئ - هم آمنون على أنفسهم لو تسلط الملحدون على رقابهم أن يفعلوا بهم كما فعل أولئك الملحدون المتسلطون بأعز رفاقهم وأخلص أنصارهم؟ هبهم جمع
بينهم جميعًا الإلحاد، وآخى بينهم الكفر، حتى توحدت مشاعرهم كما تناغمت شعاراتهم التي يدعون فيها الحرية، ولو خرجت بصاحبها إلى الكفر والإلحاد؟ فإنّ الإلحاد لا يلبث أن يفكك كما جمع، وأن يبغض كما حَبَّبَ، وأن يقطع كما وصل، كما تبين ذلك من سلوك الملحدين تجاه بعضهم، وكيف أنهم لم ينظروا إليهم نظر شفقة ولم تحركهم تجاههم مشاعر رحمة، وإنما عاملوهم بأقسى غلظة عاملوا بها خصومهم، فكيف يأمنون شرهم لو تسلطوا عليهم، أو أنهم تهون عليهم أرواحهم في سبيل تحقيق الإلحاد وتفشيه في الأرض، وغلبته على العقول والأفكار؟!.
على أن الإلحاد يغرس أول ما يغرس - فيما يقوم به من دعوة ـ التعطش إلى الدماء وعشق التدمير والإبادة، حتى في نفوس أولئك الذين كانوا في غرة من أمرهم بحيث لم يكونوا يدركون ما يدعون إليه، ولا يتصورون الطريق التي يسلكونها، وإنما يقادون فينقادون كالأعمى الذي يسلس قياده لقائده، ولو سلك به طرقًا وعرة مفروشة بأشواك القتاد، بل ولو كان يقوده إلى الجحيم، وهذا أمر قد خبرته عندما لفحت بلادنا العزيزة قبل نصف قرن عواصف حارة من الفكر الشيوعي الملتهب، فكم غرر برجال ما كانوا يدرون ما هي الشيوعية؟ وما هي مبادئها وأهدافها؟ ولكنهم قيدوا فانقادوا كما تقاد البهائم إلى الذبح فتتبع جزاريها، وكان من بين هؤلاء رجل كهل يؤم