بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية

الجزء ١ · صفحة ٢٩

المحور الأول: الاجتهاد المشروع وتوقف حياة الأمة عليه

29

أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَين لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ» (إبراهيم: (4)، وقد أرسل نبيه صلى الله عليه وسلم باللسان العربي وكان به خطاب جميع البشر بهذا الدين، لأن الله تعالى بعثه في محيط العرب فكانوا هم أول من شرفوا بهذا الخطاب الرباني، وبلسانهم كان خطاب غيرهم من الأقوام والأمم لأن الله سبحانه يشر لهم معرفة هذا اللسان بالتعلم والممارسة.

الله

وكان العرب يتقنون هذا اللسان بالسليقة فيفهمون ما يلقى إليهم به من خطاب من غير حاجة إلى دراسة أي فن مما استحدث لإتقانه وضبطه، ولذلك كانت ملكة الاجتهاد في الرعيل الأول متيسرة من غير أن يدرسوا أي شيء من فنون العربية كالنحو والتصريف والبلاغة، بل كانوا بالفطرة يدركون الخطأ فيها ويستهجنونه، فلما كان الفتح ودخل الناس في دين أفواجاً واختلطوا بالشعوب سرت في لسانهم العجمة وضعفت في هذه اللغة ملكتهم فاحتاجوا إلى ضوابط تضبط استعمالها مستلهمة من كيفية استعمال العرب الذين كانوا بمنأى عن الحواضر حيث كان تزاحم الأقدام والاختلاط بالشعوب كما كانت حاجة شعوب العجم إلى إتقان هذه اللغة أيضاً بالغة ملحة؛ لأنهم متعبدون بالكتاب الذي نزل بها وبالسنة التي صبت في قوالبها، فكان هؤلاء وهؤلاء في أمس الحاجة إلى هذه الفنون المعينة على فهمها وسلامة استعمالها.

لهذا بارى العجم العرب فيها، لأنها لم تعد لغة قومية محصورة في العرب وحدهم، وإنما أصبحت لغة عالمية ترتبط بها العقيدة والفكر ويعقد عليها فهم الدين ويبنى على دعائمها تفسير الكتاب الذي تشرفوا بحمله وشرح السُّنَّة التي أكرموا بنقلها، وقد تنافست همم العرب والعجم في نقل مفردات هذه اللغة وشرحها وبحث اشتقاقاتها ودراسة كيفية استعمالها،