بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٣٧المحور الأول: الاجتهاد المشروع وتوقف حياة الأمة عليه
وقد بين الشاطبي ارتباط الشريعة بالمصالح وكيف يراعى هذا الارتباط حيث قال: «الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف؛ إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والإضافات).
وهو كلام دقيق يجب أن لا يفوت المجتهد عندما يبني اجتهاده على رعاية مقاصد الشريعة، فإن المصالح إنما يجب أن تؤطر في الإطار الشرعي وكل ما خالف الشرع فليس من المصلحة في شيء، وهذا يعني أنه يجب أن يوصد الباب في وجوه الذين يتلاعبون بالشريعة من خلال دعواهم أنهم يراعون المصالح ويهدفون إلى تحقيق المقاصد ولو كان ذلك على حساب الدين والأخلاق، فكم في الناس من تسول له نفسه ـ لو فتح هذا الباب على مصراعيه ـ أن يبيح الاتجار بالخمور أو التعامل بالربا بدعوى أن في ذلك رعاية للمصلحة الاقتصادية الوطنية.
ولربما استباحوا - متذرعين بهذه الدعوى أو بغيرها - أن يفتحوا دوراً للبغاء ويشيعوا الفحشاء بين الناس؛ بإباحة ممارسة الزنا زاعمين أنه يدفع أكبر الضررين بأصغرهما، وأنه لو لم تكن ثم دور لهذا الغرض ينفس فيها الشباب عن أنفسهم ويفرغوا فيها شهواتهم لدفعتهم غرائزهم إلى اقتحام البيوت والهجوم على العائلات فيها فتعم بهذا الفوضى الجنسية وتشتعل نيران الفتن في المجتمعات.
وهذه كلها اعتبارات لم يقم لها الإسلام وزناً، فإن الفساد كله تجب مقاومته وإغلاق جميع الأبواب والنوافذ في وجهه، والشريعة بريئة كل
(1) الموافقات، ج 4 ص 106.