بيان أثر الاجتهاد والتجديد في تنمية المجتمعات الإسلامية
الجزء ١ · صفحة ٤٥المحور الأول: الاجتهاد المشروع وتوقف حياة الأمة عليه
45
المبحث الثاني
ضرورة الاجتهاد في حياة الأمة
جعل الله تعالى حياة البشر غير جامدة على وضع معين وطور محدود، وإنما جعلها تتدرج في مدارج الأطوار ولا فرق في هذا بين حياة الأفراد وحياة الأمم، فكما أن الفرد لا يجمد على وضع معين كذلك الأمم تنتقل من وضع إلى آخر وتواجه في انتقالها أحوالاً متباينة كل حال منها تفرز مشكلات متنوعة وقضايا مستحدثة، وقد فرض الله على أمة الإسلام أن تستهدي بهداه وأن تسلك صراطه المستقيم، ومعنى ذلك أن لا تمشي خطوة إلى الأمام في أي أمر إلا ببيئة من ربها وبصيرة من دينها، لأن الحياة كلها هبة الله والإنسان عبده والكون ملكه، فعلى الإنسان الذي هو عبده أن يكون مخلصاً له عبوديته وعبادته قال تعالى: إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 40)، وقال: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5).
وإذا كان على العبد أن يستوحي حكم الله في كل ما يأتيه وما يذره فإن عليه أن يرجع إلى شرعه الحكيم ليستبين الحق من الباطل ويميز بين المباح والمحظور، ولكن النصوص الشرعية محدودة والقضايا المستجدة غير محدودة فكل طور يأتي بجديد منها.
لذلك كان على الإنسان أن يجتهد في أمره بالتفتيش عما في تضاعيف هذه النصوص من دلائل على ما لم ينص عليه من الأحكام لاستخراج فوائدها وتطبيقها على وقائع الأحداث، ولكن هذا لا يتسنى لكل أحد فإن الناس متفاوتون في المدارك والفهوم ولم يكن لأحد أن يقتحم أسوار هذا