الوطء المحرم وأثره في نشر حرمة النكاح
الجزء ١ · صفحة ٥٨العظم المحد
وأثره في نشر حرمة النكاح
وتعقب هذه المناظرة أبو بكر الرازي (الجصاص) منتصرا لمذهب الحنفية، وفي تعقبه علم غزير وفوائد جمة، غير أنه كان شديدا في أسلوبه عنيفا في حواره، تضمن كلامه من خشونة العبارات ما كنا نتمنى أن يتره عنه الحوار العلمي، ولكن حرصا على جمع فوائد هذه المسألة أورده بنصه وفصه قال:
" وذكر الشافعي أن مناظرة جرت بينه وبين بعض الناس فيها أعجوبة لمن تأملها قال الشافعي قال لي قائل: لم قلت إن الحرام لا يحرم الحلال؟ قلت: قال الله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ وقال: (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ) وقال: (وَأُمَّهَاتُ نَسَائِكُمْ) إلى قوله: (اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أفلست تجد التنزيل إنما يحرم ما سمي بالنكاح أو الدخول والنكاح؟ قال: بلى، قال: قلت: أفيجوز أن يكون الله حرم بالحلال شيئا وحرمه بالحرام والحرام ضد الحلال والنكاح مندوب إليه مأمور به، وحرم الزنا فقال: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً). قال أبو بكر: تلا الشافعي آية التحريم بالنكاح والدخول وآية تحريم الزنا، وهذان الحكمان غير مختلف فيهما، أعني إباحة النكاح والدخول وتحريم الزنا، وليس ذلك دلالة على موضع الخلاف في المسألة؛ لأن إباحة النكاح والدخول وإيجاب التحريم بهما ليس فيه أن التحريم لا يقع بغيرهما، كما لم ينف إيجاب التحريم بالوطء بملك اليمين وتحريم الله تعالى للزنا لا يفيد أن التحريم لا يقع إلا به، فإذا ليس في ظاهر تلاوة الآيتين نفي لتحريم النكاح بوطء الزنا؛ لأن آية الزنا إنما فيها تحريم الزنا، وليس تحريم الزنا عبارة عن نفي إيجابه لتحريم النكاح ولا في إيجاب التحريم بالنكاح والدخول نفي لإيجابه بغيرهما، فإذا لا دلالة فيما تلاه من الآيتين على موضع الخلاف