أثر دلالة سكوت الشارع في الأحكام الفقهية
الجزء ١ · صفحة ١٠٠حيث يتوقع للمكلف حكم المخالفة لأمر أو نهي، وذلك يستلزم كون المكلف به قد سبق
أن يتوارد عليه حكم آخر لتضاد الأحكام.
حكمه؛ فلا يصح ثالثا: إن العفو إنما هو حكم أخروي لا دنيوي، وكلامنا في الأحكام المتوجهة في الدنيا. رابعا: وإذا سلمنا أن للعفو ثبوت؛ ففي زمانه صلى الله عليه وسلم فقط لا في غيره، ولإمكان تأويل تلك الظواهر، وما ذكر من أنواعه فداخلة أيضا تحت الخمسة، فإن العفو فيها راجع إلى رفع حكم الخطأ والنسيان والإكراه والحرج، وذلك يقتضي؛ إما الجواز بمعنى الإباحة، وإما رفع ما يترتب على المخالفة من الذم وتسبيب العقاب، وذلك يقتضي إثبات الأمر والنهي مع رفع آثارهما لمعارض.
وبعد استعراض أدلة الفريقين بين القائلين بثبوت العفو وبين المنكرين بعدم ثبوته- يمكن القول بأن مرتبة العفو ثابت في الشريعة وهذا القول أميل إليه لقوة أدلته؛ وذلك لأن الشريعة مبنية على اليسر والتيسير ورفع الحرج على العباد في كثير من أحكامها، ولو افترضنا عدم ثبوتها لأدى ذلك إلى محاسبة الإنسان بكل ما يحدث له في حياته سواء بنسيان أو خطأ، والمعروف أن الإنسان لا يخلو من النسيان والخطأ سواء في أمور الدين أو في حياته اليومية، ولما كان الله لعباده تجاوز عن عباده الخطأ والنسيان ولهذا يندرج تحت العفو، وقد
رحيم
جاءت آيات كثيرة تتحدث عنه فكيف ننكر بعدم ثبوته؟!.
المطلب الخامس: العفو وصلته ببعض المصطلحات
الفرع الأول: العفو وصلته بالإباحة
لم يرد خطاب شرعي خاص يؤذن العفو بفعله أو بمنعه بينما المباح ورد فيه ذلك الخطاب الخاص، وهناك صيغ وعبارات دالة عليه، فمن ذلك نفي الجناح كما جاء في قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ} البقرة: (198)، ومنه أيضا نفي الحرج كما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة، فقال: يا رسول الله؛ إني حلقت قبل أن أرمي، فقال: ارم" ولا حرج وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي،
><
87